شن الكاتب الأمريكي البارز توماس فريدمان هجوماً عنيفاً على الرئيس دونالد ترامب، معتبراً في مقال نشرته صحيفة 'نيويورك تايمز' أن سلوكياته السياسية تبتعد تماماً عن مسؤوليات القائد الأعلى للقوات المسلحة. وأوضح فريدمان أن ترامب بات يتصرف كزعيم لمجموعة تسعى لتحقيق مكاسب فئوية، بدلاً من العمل على توحيد الجبهة الداخلية للولايات المتحدة في ظل التحديات الخارجية المتزايدة.
وأشار المقال إلى التناقض الصارخ في أداء الإدارة الأمريكية، فبينما ينتشر عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين في مناطق توتر قرب إيران، ينشغل الرئيس بإثارة الانقسامات الداخلية. ويرى فريدمان أن الأولوية القصوى في مثل هذه الظروف الاستراتيجية يجب أن تكون رص الصفوف، إلا أن ترامب فشل في تقديم خطاب جامع يقلل من حدة الاستقطاب مع الخصوم السياسيين.
واتهم فريدمان الرئيس الأمريكي بمحاولة تسخير مؤسسات الدولة لخدمة أجندته الشخصية، مشيراً إلى محاولة إنشاء صندوق سياسي سري ضخم بقيمة 1.776 مليار دولار بالتنسيق مع وزارة العدل. هذا الصندوق كان مخصصاً، بحسب المقال، لتعويض الموالين لترامب الذين واجهوا ملاحقات قانونية، خاصة المتورطين في أحداث اقتحام مبنى الكابيتول في يناير 2021.
وقد أثارت هذه التحركات ردود فعل غاضبة حتى داخل الحزب الجمهوري، حيث نقل فريدمان عن زعيم الجمهوريين السابق في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، وصفه للخطة بأنها 'غباء محض وخطأ أخلاقي'. هذا الجدل الداخلي دفع القضاء الفيدرالي للتدخل ووقف الخطة مؤقتاً، مما أجبر الإدارة والمدعي العام على سحب المقترح في نهاية المطاف تحت وطأة الضغوط السياسية والقانونية.
وفي سياق السياسة الخارجية، انتقد فريدمان بشدة تراجع الدعم الأمريكي لأوكرانيا في حربها ضد روسيا، معتبراً أن النزاهة كانت تقتضي توجيه الأموال لدعم الديمقراطية الأوروبية بدلاً من مكافأة الأنصار السياسيين. وأكد أن القوات الأوكرانية تخوض معركة مصيرية للدفاع عن القارة العجوز، في وقت تتقلص فيه المساعدات العسكرية الأمريكية بشكل يثير القلق لدى الحلفاء.
وتطرق المقال إلى قضية تضارب المصالح المالية داخل البيت الأبيض، حيث كشفت تقارير إعلامية عن تنفيذ آلاف الصفقات المالية المرتبطة بأسهم شركات تتأثر بالقرارات السياسية. وأفادت مصادر صحفية بأن ترامب أجرى عمليات بيع وشراء واسعة في أسواق الأسهم خلال الربع الأول من العام، شملت شركات كبرى في قطاع الدفاع، مما يثير تساؤلات حول استغلال المنصب لتحقيق مكاسب مالية.
ترامب يتصرف مع مرور كل شهر من رئاسته وكأنه قائد لصوص أمريكا أكثر من كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة.
ولم يقتصر النقد على الجانب المالي، بل شمل التوجهات العسكرية لترامب الذي قرر تقليص وجود القوات الأمريكية في دول حلف شمال الأطلسي 'الناتو'. هذا التوجه اعتبره فريدمان هدية مجانية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يرى في تراجع الدور الأمريكي فرصة لتحقيق تقدم ميداني وسياسي في صراعه مع الغرب.
هذه السياسات أدت إلى تحول جذري في نظرة العواصم الأوروبية لواشنطن، حيث بدأت الثقة بالدور الأمريكي التقليدي كضامن للأمن العالمي تتآكل تدريجياً. ونقل فريدمان عن خبراء جيوسياسيين أن بعض الدول أصبحت تنظر إلى 'أمريكا ترامب' كعامل عدم استقرار، مما دفعها للبحث عن استراتيجيات بديلة لحماية مصالحها بعيداً عن المظلة الأمريكية.
وفي هذا الصدد، أشار الخبير نادر موسوي زاده إلى أن ردع تقلبات السياسة الأمريكية أصبح أولوية لبعض الدول توازي في أهميتها ردع التهديدات الروسية. هذا الشعور بالخطر دفع دولاً مثل ألمانيا والسويد وفرنسا وبريطانيا إلى اتخاذ خطوات عملية لتعزيز قدراتها الدفاعية المستقلة، بما في ذلك نشر وحدات عسكرية في مناطق استراتيجية مثل جرينلاند.
ويرى فريدمان أن الاعتماد الأوروبي على التكنولوجيا والدفاع الأمريكيين بدأ يخضع لإعادة تقييم شاملة نتيجة عدم اليقين الذي تفرضه إدارة ترامب. الدول الأوروبية لم تعد تثق في ثبات المواقف الأمريكية، وهي تتحرك الآن لتأمين نفسها من أي انسحاب مفاجئ أو تغيير في التحالفات الدولية التي استقرت منذ عقود.
واختتم الكاتب مقاله بالتحذير من أن استمرار هذا النهج سيكلف الولايات المتحدة ثمناً باهظاً على المديين القريب والبعيد، حيث يتم تقويض النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية. إن إضعاف الدور الأمريكي كضامن للاستقرار لا يضر الحلفاء فحسب، بل يضعف مكانة واشنطن وقدرتها على التأثير في الملفات العالمية الكبرى.
إن الصورة التي رسمها فريدمان لترامب تعكس قلقاً عميقاً في أوساط النخبة السياسية والإعلامية الأمريكية من تحول الرئاسة إلى أداة للمصالح الضيقة. وبحسب المقال، فإن التاريخ سيحاكم هذه المرحلة بناءً على مدى الضرر الذي ألحقته بالمؤسسات الديمقراطية الداخلية وبالسمعة الدولية للولايات المتحدة كقائدة للعالم الحر.




