فلسطين

الأحد 19 يوليو 2026 10:20 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد في العمق الإيراني.. محاولة أمريكية لإعادة رسم قواعد الاشتباك

أحمد رفيق عوض: الضربات تستهدف إضعاف طهران وإرغامها على توقيع مذكرة تفاهم جديدة وإظهار قدرة الولايات المتحدة على تقويض القدرات العسكرية الإيرانية
نبهان خريشة: قصف واشنطن للعمق الإيراني يكشف انتقال الصراع إلى مرحلة أشد خطورة واتساعاً بما يبقي المنطقة على احتمالات البقاء على حافة الحرب الإقليمية
د. سهيل دياب: التقديرات الأقرب باستمرار الضغط العسكري الأمريكي مقابل ردود إيرانية محسوبة لتجنب حرب وجودية مع استمرار قنوات تفاوض غير معلنة
هاني أبو السباع: استمرار التحركات والعمليات العسكرية الأمريكية يعكس الحاجة لمزيد من الوقت والضغط لكسر الإرادة الإيرانية ودفعها للقبول بشروط واشنطن
د. عقل صلاح: واشنطن قد تلجأ إلى تصعيد الضغوط عبر تعزيز الردع العسكري وتشديد العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية سعياً إلى فرض اتفاق أوسع
محمد الرجوب: التصعيد الأمريكي يمثل تحولاً واضحاً في طبيعة الصراع بما يعكس انتقال واشنطن إلى مرحلة تستهدف رفع كلفة القرار الإيراني نفسه



رام الله - خاص بـ"القدس"-

يدخل التصعيد الأمريكي في العمق الإيراني مرحلة جديدة من المواجهة بين واشنطن وطهران، وسط انتقال الصراع من سياسة الضغط غير المباشر إلى استهداف مواقع داخل الأراضي الإيرانية، في خطوة قد تعكس محاولة أمريكية لإعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض معادلات جديدة في ملف التفاوض مرتبطة بالبرنامج النووي، والصواريخ، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، ومستقبل الدور الإيراني في المنطقة.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن الضربات الأمريكية لا تهدف فقط إلى إضعاف القدرات العسكرية والبنى التحتية الإيرانية، بل تحمل رسائل سياسية متعددة، أبرزها تعزيز قوة الردع الأمريكية أمام الحلفاء، ورفع كلفة الخيارات الإيرانية، وتحسين موقع واشنطن التفاوضي عبر استخدام القوة العسكرية كورقة ضغط، في وقت لا تبدو فيه أي من الولايات المتحدة أو إيران راغبة في الانزلاق إلى حرب شاملة بسبب كلفتها الكبيرة.
وبينما تراهن واشنطن على دفع طهران إلى العودة للمفاوضات من موقع أكثر ضعفاً والقبول بشروط جديدة، يرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات أن إيران تستعد لمواجهة طويلة تقوم على الرد المحسوب والاستنزاف، مع الحفاظ على هامش للمفاوضات غير المعلنة، ما يجعل المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة تبدأ من استمرار التصعيد المحدود، مروراً بحرب استنزاف طويلة، وصولاً إلى خطر توسع المواجهة إقليمياً إذا خرجت الأمور عن السيطرة.




محاولة فرض تفسير مذكرة إسلام آباد

يرى الكاتب والمحلل السياسي د.أحمد رفيق عوض أن الضربات الأمريكية في العمق الإيراني تأتي في سياق محاولة واشنطن فرض تفسيرها الخاص لمذكرة التفاهم المبرمة في إسلام آباد، وإجبار طهران على القبول بشروط جديدة بعد الإخلال الأمريكي ببنود التفاهم السابقة، سواء فيما يتعلق بوقف إطلاق النار في لبنان، أو الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، أو حرية الملاحة في مضيق هرمز، مشيراً إلى أن إيران ردت على تلك الخروقات باستهداف ناقلات بحرية.
ويوضح أن الولايات المتحدة تسعى، من خلال توجيه ضربات إلى العمق الإيراني، إلى إضعاف القدرات العسكرية والبنى التحتية الحيوية، بما يشمل منشآت الكهرباء والمياه والجسور، إلى جانب استهداف المنشآت النووية، بهدف ترسيخ رواية مفادها بأنها نجحت في إنهاء المشروع النووي الإيراني بصورة كاملة، وفي الوقت نفسه دفع طهران إلى العودة للتفاوض وفق شروط أمريكية جديدة، معتبراً أن هذه العمليات تخدم أيضاً هدفاً سياسياً داخلياً يتمثل في تسويق إنجاز عسكري قبيل الانتخابات النصفية الأمريكية المقررة في نوفمبر / تشرين الثاني المقبل.
ويشير عوض إلى أن الضربات تستهدف كذلك إضعاف النظام الإيراني وإرغامه على توقيع مذكرة تفاهم جديدة، وإظهار الولايات المتحدة بمظهر الطرف القادر على تقويض القدرات العسكرية الإيرانية، فضلاً عن تهيئة الظروف التي قد تساعد قوى المعارضة الداخلية على زيادة الضغط في مواجهة النظام.

تجاوز إيران مرحلة الخشية من السقوط

وفي قراءته لمآلات التصعيد، يرى عوض أن إيران تجاوزت مرحلة الخشية من السقوط، وأصبحت مستعدة لخوض حرب طويلة، سواء على شكل حرب استنزاف أو -إذا فُرضت عليها- مواجهة أوسع، إلا أنها تدرك في الوقت ذاته أن الولايات المتحدة لا ترغب في الانخراط بحرب برية أو احتلال مباشر أو استنزاف مفتوح، لأن حساباتها تبقى محدودة زمنياً وسياسياً.
ويشير عوض إلى أن القيادة الإيرانية تراهن على أن الصمود أمام الضغوط العسكرية الأمريكية سيجنبها الانهيار أو الدمار أو الانزلاق إلى حرب أهلية، مرجحاً أن تتجه التطورات نحو أحد سيناريوهين رئيسيين، أولهما حرب استنزاف طويلة أو منخفضة الوتيرة، وثانيهما العودة إلى طاولة المفاوضات على أسس جديدة، لافتاً إلى أن بقاء باب التفاوض مفتوحاً يتضح من عدم طلب واشنطن من إسرائيل الانخراط في المواجهة، ومن امتناع إيران عن استهداف إسرائيل، بما يعكس رغبة الطرفين في تجنب حرب شاملة.

انتقال الصراع لمرحلة أشد خطورة واتساعاً

يرى الصحفي والكاتب نبهان خريشة أن القصف الأمريكي المتواصل لأهداف داخل العمق الإيراني لا يعكس قوة الردع وحدها، بل يكشف انتقال الصراع إلى مرحلة أشد خطورة واتساعاً، تقوم على توسيع بنك الأهداف ورفع مستوى الضغطين السياسي والعسكري على طهران، معتبراً أن استهداف مواقع داخل الأراضي الإيرانية يحمل رسالة تتجاوز إضعاف القدرات العسكرية، مفادها أن الولايات المتحدة قادرة على الوصول إلى أي هدف تعتبره مهدداً لمصالحها ومصالح حلفائها، مشيراً إلى أنه بين التصعيد المتدرج والعودة إلى التفاوض، تبقى المنطقة معلّقة على حافة حرب إقليمية.

اعتراف ضمني بعدم تحقيق جولات الضغط أهدافها

ويوضح خريشة أن هذا التصعيد يشير، في الوقت ذاته، إلى اعتراف ضمني بأن جولات الضغط السابقة لم تحقق أهدافها الاستراتيجية بصورة كاملة، إذ لو نجحت العمليات العسكرية السابقة في فرض الشروط الأمريكية، لما اضطرت واشنطن إلى توسيع نطاق عملياتها والانتقال إلى استهداف العمق الإيراني بهذا الشكل.
ويرى خريشة أن لجوء قوة عظمى إلى تصعيد عملياتها بصورة متدرجة يعكس أن الطرف المقابل ما زال يحتفظ بقدرة على الصمود والمناورة والرد، الأمر الذي يدفع الولايات المتحدة إلى رفع مستوى الضغط العسكري سعياً لتحقيق أهدافها.

إيران وعدم الوقوف مكتوفة الأيدي

ويعتقد خريشة أن إيران لن تتجه، على الأرجح، إلى خوض مواجهة تقليدية شاملة مع الولايات المتحدة، إدراكاً منها للفارق الكبير في موازين القوى العسكرية، لكنها في الوقت نفسه لن تقف مكتوفة الأيدي، مرجحاً أن تواصل اعتماد سياسة الاستنزاف عبر توسيع دائرة الردود غير المباشرة، واستهداف المصالح الأمريكية والإقليمية، وزيادة الضغط على حركة الملاحة وإمدادات الطاقة، وهي أدوات أثبتت خلال الأشهر الماضية قدرتها على إرباك الحسابات الأمريكية والدولية.

استمرار التصعيد المتدرج

ويشير خريشة إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار التصعيد المتدرج، بما يُبقي المنطقة في حالة حرب منخفضة أو متوسطة الحدة، لكنها مفتوحة زمنياً وقابلة للانفجار في أي لحظة نتيجة خطأ في الحسابات أو تنفيذ ضربة تتجاوز الخطوط الحمراء.
ويطرح خريشة سيناريو آخر يقوم على نجاح الضغوط العسكرية، بعد مرحلة من الاستنزاف، في دفع الطرفين إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، ولكن وفق شروط مختلفة عن تلك التي كانت مطروحة سابقاً، معتبراً أن الولايات المتحدة غالباً ما تستخدم القوة العسكرية لتحسين موقعها التفاوضي أكثر من استخدامها لتحقيق نصر عسكري نهائي.
ويحذر خريشة من أن السيناريو الأخطر يتمثل في خروج المواجهة عن السيطرة واتساع نطاق الحرب لتشمل دولاً إضافية في المنطقة، بما يهدد أمن الطاقة العالمي ويقود إلى اضطرابات اقتصادية وسياسية واسعة، مؤكداً أن هذا الاحتمال، رغم أنه لا يبدو مرغوباً لدى الأطراف الرئيسية، يبقى قائماً مع استمرار ارتفاع مستوى التصعيد العسكري.

عملية إعادة رسم لموازين القوة

وبحسب خريشة، فإن ما يجري يتجاوز كونه مواجهة مرتبطة بإيران وحدها، ليعكس عملية إعادة رسم لموازين القوة في الشرق الأوسط، إلا أن التجارب التاريخية تؤكد أن القوة العسكرية قادرة على تغيير الوقائع الميدانية، لكنها نادراً ما تنجح بمفردها في تحقيق استقرار سياسي دائم، ما يجعل التحدي الحقيقي يتمثل في إيجاد تصور سياسي واقعي ينهي المواجهة قبل تحولها إلى نزاع إقليمي مفتوح يصعب احتواء تداعياته.

حالة انسداد وضيق خيارات أمام واشنطن

يرى أستاذ العلوم السياسية د. سهيل دياب أن التصعيد الأمريكي في العمق الإيراني جاء تعبيراً عن حالة انسداد وضيق في الخيارات أمام واشنطن، موضحاً أن الولايات المتحدة لا تستطيع حسم المواجهة بانتصار عسكري سريع ومضمون النتائج، كما أن تقديم تنازلات سياسية لإيران، خصوصاً في ملف مضيق هرمز، سيُفسر باعتباره هزيمة سياسية للولايات المتحدة.
ويوضح دياب أن أهداف التصعيد الأمريكي ترتبط بعدة اعتبارات، في مقدمتها طمأنة الحلفاء في الشرق الأوسط بأن واشنطن ما زالت قادرة على الدفاع عن مصالحهم وحمايتهم، إلى جانب محاولة تهدئة التوتر الداخلي في الولايات المتحدة بين التيارات السياسية، خصوصاً بين الجمهوريين والديمقراطيين، وفي أوساط الرأي العام، مع اقتراب الانتخابات النصفية.

تحييد إسرائيل عن انخراطها المباشر بالمواجهة

ويشير دياب إلى أن مؤشرات هذه الأهداف باتت واضحة، ومن أبرزها تحييد إسرائيل عن الانخراط المباشر في المواجهة بناءً على مطالب من الحلفاء، إضافة إلى تصاعد الخلاف داخل الإدارة الأمريكية بين تيار الصقور الذي يمثله ماركو روبيو، والتيار الواقعي الذي يمثله جي دي فانس.
ويعتبر دياب أن التصعيد الحالي يمكن اختصاره بمحاولة "تقليل الأضرار" وكسب الوقت في ظل غياب سيناريوهات أكثر وضوحاً، معتبراً أنه يعكس عمق أزمة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب داخلياً وخارجياً.

سيناريو الاحتواء المتبادل

وفي قراءته للسيناريوهات المحتملة، يرجح دياب سيناريو الاحتواء المتبادل باعتباره الأكثر احتمالاً، بحيث تستمر الضربات المحدودة، وترد إيران بصورة محسوبة، مع حرص الطرفين على تجنب حرب شاملة، في نمط يشبه "التصعيد المضبوط" الذي شهدته أزمات سابقة.

سيناريو حرب الاستنزاف الطويلة

أما السيناريو الثاني فيتمثل، وفق دياب، في حرب استنزاف طويلة تشمل استمرار الضربات الجوية، والهجمات الإلكترونية، واستهداف المصالح والقواعد الأمريكية، والتصعيد البحري، والضغط الاقتصادي المتبادل، وهي مواجهة قد تمتد لأشهر وتؤثر في أسواق الطاقة والتجارة العالمية دون الحاجة إلى اجتياح بري.

احتمال توسع الصراع إقليمياً

ويلفت دياب إلى احتمال توسع الصراع إقليمياً ليشمل العراق وسوريا والخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية، بما يحول المواجهة إلى حرب متعددة الجبهات.
أما السيناريو الأخطر والأقل احتمالاً وفق دياب، فهو اندلاع حرب شاملة في حال تعرضت القيادة الإيرانية لضربات استراتيجية واسعة، أو استهداف كبير للمنشآت النووية، أو سقوط أعداد كبيرة من العسكريين الأمريكيين بهجوم مباشر.
ويعتقد دياب أن التقديرات الأقرب تشير إلى استمرار الضغط العسكري الأمريكي، مقابل ردود إيرانية محسوبة لتجنب حرب وجودية، مع استمرار قنوات تفاوض غير معلنة بالتوازي مع التصعيد.

إجبار طهران بالعودة للمفاوضات من موقع ضعف

يعتقد الكاتب والمحلل السياسي هاني أبو السباع أن التصعيد الأمريكي المتواصل ضد إيران يهدف بالدرجة الأولى إلى إجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات من موقع ضعف، بما يسمح لواشنطن بفرض شروطها السياسية والأمنية.
ويعتبر أبو السباع أن رفع وتيرة الهجمات العسكرية يندرج ضمن محاولة تحسين شروط التفاوض، إلا أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن إيران استعدت لمواجهة قد تطول، وأنها قادرة على الرد على التصعيد بتصعيد مماثل، عبر استهداف القواعد والمصالح الأمريكية طالما استمرت الهجمات الأمريكية.

استمرار التصعيد.. ولكن!

ويوضح أبو السباع أن استمرار العمليات العسكرية الأمريكية، لليوم السابع على التوالي، بالتزامن مع تحريك الأسطول البحري والقاذفات الاستراتيجية نحو المنطقة، يعكس قناعة لدى واشنطن بأنها تحتاج إلى مزيد من الوقت والضغط العسكري لكسر الإرادة الإيرانية ودفعها إلى القبول بالشروط الأمريكية.
لكن أبو السباع يرى أن الوقائع الميدانية لا تؤيد هذا التقدير، مشيراً إلى أن إيران كثفت هجماتها الصاروخية على القواعد الأمريكية، ووسعت نطاق ردها كلما ازدادت الضربات الأمريكية، ولا سيما على المحافظات الجنوبية المطلة على الخليج.
ويوضح أن التصعيد الإيراني شمل استهداف القواعد الأمريكية في منطقتي الخليج وبلاد الشام، ما أسفر عن إصابة جنود أمريكيين، فضلاً عن تقارير تحدثت عن إطلاق صاروخ كروز باتجاه حاملة طائرات في المحيط الهادئ، معتبراً أن هذه التطورات تنذر باتساع رقعة الصراع، في ظل سباق مع الزمن تخوضه الإدارة الأمريكية وسط تصاعد الانتقادات الداخلية للحرب، ومخاوف من انعكاساتها الاقتصادية على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي.
ويشير أبو السباع إلى أن استمرار الحشود العسكرية الأمريكية، وإرسال حاملات طائرات وطائرات للتزود بالوقود إلى المنطقة، قد يفتح الباب أمام توسيع العمليات لتشمل أهدافاً إضافية، وربما عمليات برية تستهدف مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن إسرائيل تواصل استعداداتها لاحتمال الانخراط في المواجهة.
ويرى أبو السباع أن استمرار القتال سيدفع الصراع نحو حرب استنزاف، معتبراً أن التجارب التاريخية في أفغانستان وفيتنام والعراق وسوريا ولبنان والصومال تشير إلى صعوبة نجاح الولايات المتحدة في هذا النوع من الحروب.

احتمال اتساع المواجهة بمشاركة أطراف أخرى

ويحذر أبو السباع من احتمال اتساع المواجهة عبر مشاركة أطراف أخرى، وما قد يترتب على ذلك من تهديد للملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب وتأثيرات مباشرة على الاقتصاد العالمي.
ويرجح أبو السباع وجود مساعٍ غير معلنة يقودها الوسطاء لاحتواء التصعيد وفتح نافذة لانفراجة سياسية، لكنه يرى أن وقوع خسائر أمريكية كبيرة قد يدفع واشنطن إلى تصعيد أكبر سعياً لتحقيق إنجاز عسكري، مؤكداً أن استمرار الحرب، في حال طال أمدها، قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الأمريكي ويؤثر في المزاج الانتخابي داخل الولايات المتحدة.

إعادة صياغة التفاهمات الأمريكية الإيرانية

يعتقد الكاتب والباحث السياسي وأستاذ النظم السياسية المقارنة د.عقل صلاح أن التصعيد الأمريكي في العمق الإيراني يهدف إلى إعادة صياغة التفاهمات الأمريكية الإيرانية، ولا سيما ما يتعلق بمضيق هرمز وآلية إدارته، بما يعيد، من وجهة نظر واشنطن، تكريس هيبتها باعتبارها القوة القادرة على التحكم بالممرات المائية العالمية، إلى جانب منح إسرائيل هامشاً أوسع لمواصلة استهداف إيران متى تشاء، على غرار ما يجري في قطاع غزة ولبنان، في محاولة لفرض نموذج "التفاوض تحت النار"، وإخضاع إيران لشروط أمريكية وإسرائيلية جديدة.

عدم الرغبة في الحرب الشاملة

ويوضح صلاح أن التصعيد لا يعكس بالضرورة رغبة الطرفين في الانزلاق إلى حرب شاملة، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز موقعها التفاوضي عبر الضغط والردع وإثبات القوة، فيما لا تملك إيران خياراً سوى الصمود وإدارة الصراع بحذر، بما يمنع تحول المواجهة إلى حرب واسعة، ورفض القبول بمفاوضات تمنح الأفضلية لواشنطن وتحقق المصالح الإسرائيلية المرتبطة بإعادة هندسة الشرق الأوسط.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة تحرص على عدم انهيار مسار الحوار مع إيران، لكنها تعمل على تغيير شروطه وطبيعته، مستثمرة التصعيد العسكري لرفع سقف مطالبها وانتزاع تنازلات أكبر، من خلال توظيف القوة العسكرية والاغتيالات والحصار والعقوبات كورقة تفاوضية، وهي سياسة سبق استخدامها في غزة ولبنان للحصول على مكاسب سياسية لم تحققها العمليات العسكرية.
ويرى صلاح أن واشنطن قد تلجأ، في حال رفضت إيران شروطها، إلى تصعيد الضغوط عبر تعزيز الردع العسكري وتشديد العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية، سعياً إلى فرض اتفاق أوسع يشمل البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والدور الإقليمي لإيران وآليات رقابة أكثر صرامة، وهي ملفات اعتبرها مطالب إسرائيلية أساسية.

خمس دلالات رئيسية

ويشير صلاح إلى أن الضربات الأمريكية تحمل خمس دلالات رئيسية، تتمثل في تعزيز الردع الأمريكي، وتغيير قواعد الاشتباك باستهداف العمق الإيراني، وزيادة الضغط السياسي لدفع طهران إلى تقديم تنازلات، وتوجيه رسائل طمأنة لحلفاء الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، إضافة إلى اختبار مستوى الردع والقدرات الإيرانية، مؤكداً أن إيران تتمسك برفض التفاوض تحت التهديد مع الحفاظ على المسار الدبلوماسي وتعزيز تماسك جبهتها الداخلية.
ويرجح صلاح أن تبقى العودة إلى المفاوضات من موقع قوة السيناريو الأكثر ترجيحاً، مع بقاء احتمال استمرار التصعيد قائماً، فيما يظل الانزلاق إلى حرب شاملة وإقليمية السيناريو الأقل احتمالاً، رغم استمرار التوتر بين الطرفين.

تحول واضح في طبيعة الصراع

يعتقد الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن التصعيد الأمريكي الأخير داخل العمق الإيراني يمثل تحولاً واضحاً في طبيعة الصراع، بما يعكس انتقال واشنطن إلى مرحلة تستهدف رفع كلفة القرار الإيراني نفسه، بعدما كانت تركز سابقاً على احتواء النفوذ الإيراني في ساحات الإقليم.
ويوضح أن استهداف المنشآت والبنى التحتية والمواقع داخل الأراضي الإيرانية يحمل مجموعة من الرسائل الاستراتيجية، أولها سعي الولايات المتحدة إلى استعادة قوة الردع بعد أن رأت أن طهران تجاوزت الخطوط الحمراء من خلال استهداف الملاحة الدولية والقواعد الأمريكية وحلفائها في المنطقة.
ويشير الرجوب إلى أن الرسالة الثانية تتمثل في تأكيد أن أي تهديد للمصالح الأمريكية سيقابله استهداف مباشر للداخل الإيراني، وليس الاكتفاء بضرب الأذرع الإقليمية المرتبطة بإيران.
ويلفت الرجوب إلى أن الرسالة الثالثة تتمثل في إعادة رسم قواعد الاشتباك، إذ انتقلت المواجهة من ساحات العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحر الأحمر إلى قلب إيران، وهو تحول نوعي يرفع مستوى المخاطر ويضع القيادة الإيرانية أمام معادلة أكثر تعقيداً.
أما الرسالة الرابعة وفق الرجوب، فتتمثل في ممارسة ضغط اقتصادي ولوجستي يستهدف تقليص القدرات اللوجستية الإيرانية وإضعاف قدرة قواتها المسلحة على المناورة وإدارة العمليات.

مرحلة جديدة تختلف عن الجولات السابقة

وفي قراءته لمآلات التصعيد، يرى الرجوب أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تختلف عن جولات التوتر السابقة، لكنها لا تعني بالضرورة أن قرار الحرب الإقليمية الشاملة قد اتُّخذ. ويرجح الرجوب أن يبقى سيناريو استمرار الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران الأكثر احتمالاً، مع ردود محسوبة من الجانبين للحفاظ على معادلة الردع أمام جمهوريهما الداخلي، من دون تحمل كلفة الانزلاق إلى مواجهة واسعة.

أخطاء قد تدفع نحو الحرب الواسعة

ويعتقد الرجوب أن احتمال اندلاع حرب إقليمية واسعة، رغم أنه أقل ترجيحاً، يبقى قائماً إذا أدى خطأ في الحسابات إلى هجوم كبير يوقع خسائر بشرية واسعة، بما قد يفضي إلى استهداف القواعد الأمريكية في الخليج أو توسيع الضربات ضد البنية التحتية الإيرانية.
ويطرح الرجوب سيناريو العودة إلى المفاوضات من موقع القوة، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين شروطه قبل استئناف الحوار، إلى جانب سيناريو استنزاف طويل الأمد يقوم على استمرار الضربات المتبادلة دون حسم عسكري، وما يرافق ذلك من تدهور اقتصادي، وارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الملاحة البحرية، وتراجع الاستثمارات في المنطقة.
ويؤكد الرجوب أن المؤشرات الحالية، رغم تصاعد التوتر، لا تدل على وجود قرار نهائي بخوض حرب شاملة، إذ لا يزال الطرفان يستخدمان القوة العسكرية لإعادة رسم ميزان الردع وتحسين موقعيهما التفاوضيين، مع بقاء خطر الخطأ الاستراتيجي الذي قد يحول التصعيد إلى صراع إقليمي واسع.

دلالات

شارك برأيك

تصعيد في العمق الإيراني.. محاولة أمريكية لإعادة رسم قواعد الاشتباك

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.