مع صدور المرسوم الرئاسي الذي حدد موعد الانتخابات التشريعية في الثامن والعشرين من تشرين الثاني المقبل، تدخل الحياة السياسية الفلسطينية مرحلة جديدة طال انتظارها. غير أن أهمية هذا الاستحقاق لا تكمن في موعده أو إجراءاته بقدر ما تكمن في السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وهو ما العلاقة بين هذا الاستحقاق الديمقراطي وبين مهمة إعادة بناء المشروع الوطني التحرري الفلسطيني؟ وهل يمكن أن تصبح الانتخابات جزءاً من هذه العملية، أم أنها ستبقى مجرد استحقاق دستوري يعيد إنتاج الأزمة في ظروف أكثر تعقيداً؟
لا خلاف على أن الانتخابات حق ديمقراطي أصيل، وأن تجديد الشرعيات ضرورة وطنية لا يجوز أن تبقى رهينة التأجيل أو الحسابات السياسية. فلا يمكن بناء نظام سياسي قادر على مواجهة التحديات، أو استعادة ثقة المواطنين بمؤسساته، من دون العودة إلى إرادة الشعب واحترام حقه في اختيار ممثليه باعتباره مصدر السلطات وصاحب الشرعيات.
لكن التجربة الفلسطينية أكدت أن الانتخابات، مهما بلغت نزاهتها، لا تكفي وحدها لمعالجة أزمة سياسية ووطنية بهذا الحجم، إذا غاب الاتفاق على طبيعة المرحلة، وأولوياتها، وقواعد الشراكة الوطنية، واحترام التعددية السياسية، والالتزام بالمرجعيات السياسية التمثيلية.
فالانتخابات ليست مشروعاً وطنياً بحد ذاتها، وإنما إحدى أدوات العمل السياسي. أما قيمتها الحقيقية فتقاس بقدرتها على الإسهام في إعادة بناء النظام السياسي، وتعزيز وحدة المؤسسات الوطنية، وتجديد الثقة بين المواطن ومؤسساته، ووضع المشروع الوطني التحرري مجددا في مركز الفعل السياسي.
وتكتسب هذه المسألة أهمية استثنائية في ظل ما تواجهه القضية الفلسطينية من محاولات لإعادة تشكيل واقعها السياسي والجغرافي. فاستمرار حرب الإبادة والتجويع والتهجير في قطاع غزة وتشكيل الإدارات البديلة فيها، وتصاعد الاستيطان والضم في الضفة الغربية بل والتهجير بحق مخيماتنا، لا يستهدفان الأرض والإنسان فحسب، بل يهدفان إلى فرض واقع سياسي جديد، يُختزل فيه الشعب الفلسطيني إلى تجمعات سكانية تُدار تحت الاحتلال من خلال إعادة هندسة المنطقة، بدل الاعتراف به شعباً صاحب حق في الحرية وتقرير المصير والاستقلال الوطني.
وفي المقابل، يشهد النظام الدولي والإقليم تحولات عميقة، كشفتها الحرب على غزة وما رافقها من اتساع غير مسبوق في التضامن الشعبي العالمي، وتزايد الاعترافات بدولة فلسطين رغم رمزية بعضها دون تبعات، واتساع دائرة الانتقادات للسياسات الإسرائيلية، خاصة بالغرب، ومنها بالولايات المتحدة، بشكل غير مسبوق، إلى جانب التحولات المتسارعة في موازين القوى الدولية. ورغم أن هذه المتغيرات لم تتحول بعد إلى سياسات دولية حاسمة، فإنها تفتح أمامنا نحن الفلسطينيين فرصاً جديدة، بقدر ما تفرض علينا تحديات جديدة أيضاً.
غير أن الرهان لا ينبغي أن يكون على هذه التحولات وحدها، ولا على انتظار ما ستسفر عنه المتغيرات الإقليمية والدولية، وإنما على امتلاك رؤية وإرادة سياسية وطنية مستقلة، قادرة على استثمار الفرص ومواجهة المخاطر. فالمتغيرات الخارجية قد تتيح هوامش جديدة للحركة، لكنها لا تستطيع أن تعوض غياب ضرورات اعادة بناء المشروع الوطني التحرري، ولا استمرار الانقسام، ولا ضعف المؤسسات.
ولعل الخطأ الأكبر هو اختزال الانتخابات في كونها وسيلة لتجديد السلطة، فيما التحدي الحقيقي يكمن في إعادة بناء المشروع الوطني التحرري الفلسطيني، وتجديد أدواته وآليات عمله وأشكال نضاله، بما ينسجم مع التحولات التي فرضتها الحرب، ويعيد الاعتبار لقضيتنا باعتبارها قضية تحرر وطني لشعب يسعى إلى الحرية والاستقلال، لا قضية إدارة سكان تحت الاحتلال.
فالمطلوب اليوم ليس فقط إعادة بناء النظام السياسي، بل إعادة تعريف العلاقة بين مؤسساته وأهدافه، بحيث تعود السلطة الوطنية أداة في خدمة المشروع الوطني التحرري، لا أن يتحول المشروع الوطني إلى أداة في خدمة السلطة.
ومن هذا المنطلق، فإن التعديلات التي أُدخلت على قانون الانتخابات، سواء ما يتعلق بعدد أعضاء المجلس التشريعي أو نسبة الحسم أو غيرها، تستحق نقاشاً وطنياً هادئاً ومسؤولاً واسعاً، ليس من زاوية التأييد أو الرفض المسبق، وإنما من زاوية أثرها في الحياة السياسية. فالتحدي لا يكمن فقط في توسيع التمثيل، بل أيضا في الحفاظ على التنافس البرامجي، وتعزيز دور القوى السياسية والمجتمعية، والحد من التشظي، ومن تغليب الاعتبارات المحلية أو الشخصية أو العشائرية أو تأثير المال السياسي على الخيارات الوطنية.
ومن هنا، فإن الانتخابات ينبغي أن تُدرج ضمن عملية سياسية ووطنية أشمل، تبدأ بحوار وطني مسؤول، لا يقوم على المحاصصة أو تقاسم المواقع، بل على الاتفاق حول طبيعة المرحلة وأولوياتها، وبرنامج الحد الأدنى الوطني، وأسس الشراكة الوطنية، واحترام نتائج الانتخابات، وتعزيز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، والعمل على تطويرها وتفعيل مؤسساتها على أسس ديمقراطية كجبهة وطنية عريضة، بما يضمن مشاركة جميع مكونات شعبنا في الوطن والشتات.
إن الشرعية التي يحتاجها شعبنا اليوم ليست شرعية انتخابية فحسب، بل شرعية وطنية أيضا، تُقاس بقدرة المؤسسات المنتخبة على حماية المشروع الوطني التحرري، وصون وحدة الشعب والأرض والقضية، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة.
لقد أصبح الاستحقاق الانتخابي واقعاً سياسياً اليوم، لكن نجاحه لن يتوقف على يوم الاقتراع وحده، بل على ما يسبقه من قدرة القوى الوطنية والمجتمع المدني والمستقلين الوطنين على استعادة ثقة الناس، وبناء خطاب سياسي وطني جامع، وحماية الإرادة الوطنية من المال السياسي ومراكز النفوذ ومن كل أشكال التأثير الخارجي، وتعزيز الشراكة الوطنية في مواجهة أخطر مشروع يستهدف قضيتنا.
فالانتخابات وان كان يتوجب أن تشمل موقع الرئاسة في الوقت ذاته دون تأجيل الى وقت اخر من العام القادم، وتضمن مشاركة شعبنا في كل محافظات الوطن بما فيها غزة والقدس، فهي ليست معركة على السلطة، بل ينبغي أن تكون جزءً من معركة إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية، وتجديد مؤسساتها، واستعادة المبادرة السياسية، وتوحيد طاقات شعبنا في مواجهة الاحتلال ومخططاته.
فإذا أحسنا نحن الفلسطينيين توظيف هذا الاستحقاق، فقد يصبح خطوة مهمة في مسار إعادة بناء المشروع الوطني التحرري على أسس الشراكة والديمقراطية والاستقلالية. أما إذا اختُزل في منافسة على السلطة أو في إعادة إنتاج الانقسام، فسيبقى مجرد محطة أخرى في إدارة الأزمة، فيما المطلوب هو تجاوزها، والانطلاق نحو مرحلة جديدة يكون فيها المشروع الوطني التحرري، بكل أبعاده السياسية والديمقراطية والكفاحية، هو البوصلة التي تهدي العمل الوطني الفلسطيني.
* عضو المجلس الاستشاري لحركة "فتح".





شارك برأيك
الانتخابات وإعادة بناء المشروع الوطني التحرري