جلست صباح اليوم في المقهى المجاور لمدرستي القديمة في القدس. طلبت قهوتي وبدأت أراقب الشارع والمارة. مشهد واحد يتكرر كل دقيقة تقريبا أمام البوابة الحديدية الكبيرة. سيارة فارهة تتوقف فجأة وتكاد تصطدم بالرصيف. تفتح الأم الباب الخلفي وهي تتحدث في هاتفها بصوت مرتفع وتراجع ملفات عملها بتركيز شديد. ينزل طفلها الصغير يحمل حقيبة ثقيلة تكاد تقصم ظهره وعلبة طعام فاخرة أعدت بعناية فائقة. لا توجد قبلة وداع. لا عناق دافئ يمنحه الأمان لبقية اليوم. مجرد إيماءة سريعة وكلمة مقتضبة قبل أن تنطلق السيارة مسرعة نحو زحام الحياة ومشاغلها التي لا تنتهي. ارتشفت قهوتي التي بردت وتساءلت كيف تحولت الوالدية من رحلة بناء إنساني ممتد وعميق إلى مجرد مهمة لوجستية سريعة ننجزها على هوامش الأيام. كيف أصبحنا نملأ محافظ أبنائنا بأغلى ما نملك من مال ونوفر لهم كل سبل الراحة المادية بينما نترك أرواحهم تتضور جوعا لغياب التوجيه والاحتواء.
قبل أن تجتاح الثورة الصناعية عالمنا وتغير ملامحه إلى الأبد كانت الأسرة وحدة إنتاجية متماسكة ومترابطة بشكل وثيق. الأب يزرع أرضه أو يعمل في حرفته اليدوية البسيطة. الأم تدير شؤون المنزل وتساعده في عمله اليومي. الأبناء يشاركون في هذا الجهد المشترك منذ طفولتهم المبكرة ويتعلمون مهارات الحياة من خلال المراقبة والمشاركة. لم يكن هناك فاصل حاد بين وقت العمل ووقت العائلة. الحياة كانت تتدفق في مجرى واحد يجمع بين الكدح والتربية ونقل القيم. لكن مع صعود مداخن المصانع في القرن التاسع عشر حدث الانفصال الأكبر والأخطر في تاريخ الأسرة البشرية كما يوضح عالم الاجتماع تالكوت بارسونز. خرج الأب من المنزل لساعات طويلة ليعمل كترس صغير في آلة ضخمة لا ترحم. ظهر مفهوم الأب الغائب الذي يقتصر دوره الأساسي على توفير المال وتأمين لقمة العيش. تركت الأم وحيدة في مواجهة عبء التربية وتنشئة الأجيال القادمة. كان هذا التحول الجذري بداية شرخ عميق في بنية الأسرة. شرخ اتسع لاحقا مع التطورات الاقتصادية المتسارعة التي لم تترك لنا مجالا لالتقاط الأنفاس أو مراجعة مسارنا.
في عصرنا الحديث خرجت المرأة بالكامل إلى سوق العمل لتحقيق ذاتها أو لمواجهة متطلبات الحياة القاسية والمكلفة. تبدلت الأدوار وتشابكت بشكل غير مسبوق في تاريخنا البشري. أصبحنا نعيش عصر المعيل المزدوج حيث يركض الأب والأم معا في عجلة الإنتاج التي لا تتوقف أبدا. ورغم محاولة الآباء المعاصرين المشاركة الفعالة في التربية وكسر الصورة النمطية للأب التقليدي أصبح صراع الأدوار والضغط النفسي والزمني هو السمة الغالبة على بيوتنا وحياتنا اليومية. لقد استبدلنا بوعي أو بدون وعي رأس المال الزمني برأس المال الاقتصادي. بدلا من قضاء وقت حقيقي ودافئ مع أبنائنا أصبحنا نشتري لهم أغلى الألعاب الإلكترونية. نسجلهم في أفضل المدارس الخاصة وندفع أقساطا خيالية. نستأجر لهم مربيات محترفات لتعويض غيابنا الطويل. نظن واهمين أن المال يمكن أن يعوض غيابنا وأن الرفاهية المادية قادرة على سد الفراغ العاطفي الذي نتركه خلفنا كل صباح.
لكن هذا الغياب يترك أثرا نفسيا واجتماعيا عميقا لا يمحوه المال ولا الهدايا الثمينة التي نكدسها في غرفهم. أثبت عالم النفس جون بولبي في نظريته الشهيرة عن التعلق أن الأطفال مبرمجون بيولوجيا لتكوين روابط عاطفية آمنة مع مقدمي الرعاية الأساسيين. هذه الروابط هي حجر الأساس لنموهم النفسي السليم وتوازنهم العاطفي في المستقبل. عندما يغيب الوالدان لفترات طويلة أو يكونان حاضرين جسديا وغائبين ذهنيا بسبب ضغوط العمل المستمرة ينشأ لدى الطفل نمط تعلق قلق أو تجنبي. يبدأ الطفل في البحث عن مصادر تنشئة بديلة تملأ هذا الفراغ الموحش والمخيف. يجد ضالته في شاشات الهواتف الذكية التي لا ترفضه أبدا وتلبي رغباته الفورية. أو في أقرانه الذين يشاركونه نفس الضياع والبحث عن الهوية. أو في مربية لا يمكنها مهما بلغت كفاءتها المهنية أن تمنحه الحب غير المشروط الذي يحتاجه لينمو سويا ومطمئنا. نحن نربي جيلا يتمتع باستقلالية ظاهرية مبكرة وقدرة مذهلة على التعامل مع التكنولوجيا المعقدة. لكنه يعاني في العمق من حرمان عاطفي وهشاشة نفسية تجعله عرضة للكسر والانهيار عند أول أزمة حقيقية تواجهه في معترك الحياة.
ينعكس هذا الخلل بشكل مباشر وصارخ على التحصيل الأكاديمي لأبنائنا ومسيرتهم التعليمية التي نوليها اهتماما كبيرا. غياب المتابعة اليومية المباشرة من الوالدين لا يمكن تعويضه بأفضل المعلمين الخصوصيين أو أحدث التقنيات التعليمية المتوفرة في المدارس. عندما يعود الطفل إلى منزل فارغ وبارد أو إلى والدين منهكين لا يملكان طاقة للاستماع إلى تفاصيل يومه المدرسي تتراجع دافعيته الذاتية للتعلم ويخبو شغفه الفطري بالمعرفة والاكتشاف. أظهرت دراسة حديثة وموسعة نشرت في مجلة ساينس دايركت عام 2024 أن استثمار وقت الوالدين في أنشطة مشتركة مع أبنائهم يقلل بشكل كبير من الفجوات في التحصيل العلمي والصحة النفسية. الطفل لا يحتاج إلى أب يشتري له أحدث جهاز لوحي ليسكت تذمره ومطالباته المستمرة. هو يحتاج إلى أب يجلس معه ربع ساعة ليقرأ له قصة قبل النوم أو يسأله بصدق واهتمام عن مشاعره وتحدياته التي واجهها خلال اليوم.
تبدل أدوار الوالدين ليس شرا مطلقا يجب محاربته أو الهروب منه. هو استجابة حتمية لتطور الاقتصاد ومتطلبات الحياة الحديثة المعقدة التي نعيشها اليوم. لكن العبرة تكمن في كيفية إدارتنا لهذا التبدل بوعي وحكمة ومسؤولية. المقولة الشائعة التي نرددها دائما في مجالسنا بأن جودة الوقت أهم من كميته هي نصف الحقيقة فقط. ربما تكون مخدرا نهدئ به ضمائرنا المثقلة بالذنب والتقصير تجاه أبنائنا. الأبحاث الحديثة تؤكد أن الطفل يحتاج إلى الجودة والكمية معا لينمو بشكل متوازن وصحي. ولنا في التجربة السويدية الرائدة خير دليل على إمكانية تحقيق هذا التوازن الصعب الذي ننشده. في السويد يمنح الوالدان 480 يوما من إجازة الأمومة والأبوة المدفوعة بسخاء من قبل الدولة. يبلغ متوسط ساعات العمل السنوية 1441 ساعة فقط أي أقل بنسبة 18 بالمئة من متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. هذه السياسات المرنة والداعمة للأسرة لم تدمر الاقتصاد السويدي كما قد يظن البعض من المدافعين عن الرأسمالية المتوحشة. بل خلقت قوة عاملة أكثر إنتاجية وولاء وأطفالا أكثر استقرارا وسعادة ومجتمعا يقدر قيمة الإنسان ورفاهيته قبل قيمة ما ينتجه من سلع مادية.
نحن نقف اليوم أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية كبرى تتطلب تدخلا عاجلا وجريئا. على المستوى المؤسسي يجب على صناع القرار وأرباب العمل إدراك أن دعم الوالدين بسياسات عمل مرنة وإجازات كافية ليسمنحة يمكن الاستغناء عنها. هو استثمار استراتيجي طويل الأمد في مستقبل المجتمع وصحته النفسية وتماسكه الداخلي. وعلى المستوى الأسري أدعو كل أب وأم إلى وقفة صدق وشجاعة مع الذات لإعادة ترتيب الأولويات بعيدا عن صخب الحياة المادية والمنافسة الاستهلاكية المحمومة. أبناؤنا لا يحتاجون إلى محافظ ممتلئة بالمال بقدر ما يحتاجون إلى قلوب ممتلئة بالحب وعقول حاضرة للتوجيه وآذان صاغية للاستماع باهتمام. دعونا نوقف هذه الأرجوحة المجنونة قليلا ونلتقط أنفاسنا. لننظر في عيون أبنائنا ونخبرهم أنهم أهم إنجاز في حياتنا كلها. كل نجاح مهني أو مكسب مادي لا يساوي شيئا إذا كان ثمنه ضياع أرواحهم وتشتت عقولهم في زحام هذه الحياة.





شارك برأيك
أرجوحة الوالدية الحديثة: حين تمتلئ محافظ الأبناء بالمال ويشكو التحصيل من غياب التوجيه