اسرائيليات

الثّلاثاء 07 يوليو 2026 2:32 مساءً - بتوقيت القدس

دراسة إسرائيلية: تل أبيب تعيش 'جموداً إستراتيجياً' وتآكلاً في مكانتها الدولية رغم التفوق العسكري

كشف تقرير حديث صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي عن أزمة عميقة تواجهها إسرائيل في تحويل قدراتها العسكرية إلى نتائج سياسية ملموسة. وأوضح التقرير، الذي ترجمه المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) أن تل أبيب تقف اليوم أمام مشهد سياسي وأمني معقد للغاية يتسم باستمرار حرب الاستنزاف في غزة وغياب الأفق السياسي الواضح.

وصف المعهد الحالة الراهنة بـ 'الليمبو الإستراتيجي'، مشيراً إلى أن إسرائيل رغم امتلاكها قوة عسكرية متفوقة ودعماً أمريكياً غير مسبوق، إلا أنها تعاني من ضعف إستراتيجي حاد. هذا التناقض يمنع الاحتلال من الوصول إلى حالة أمنية مستقرة، ويجعلها غارقة في مواجهات مفتوحة على جبهات متعددة تشمل لبنان وإيران والضفة الغربية.

وانتقد التقرير بشدة العقلية التي تدار بها الأزمات الحالية، مستخدماً استعارة مفادها أن إسرائيل تلعب 'الداما' بمنطق تكتيكي قصير المدى، بينما يدير خصومها المعركة بمنطق 'الشطرنج'. هذا التفاوت في التخطيط جعل إسرائيل تكتفي بملاحقة الإنجازات الميدانية المؤقتة دون بناء رؤية إقليمية شاملة تضمن لها الاستقرار بعيد المدى.

وعلى الصعيد الدولي، رصدت الدراسة تآكلاً مستمراً في مكانة إسرائيل، حيث تزداد عزلتها في المؤسسات الدولية وتتصاعد التهديدات بالمقاطعة وفقدان الشرعية في الغرب. كما أشار التقرير إلى توتر متزايد في العلاقة مع واشنطن، خاصة فيما يتعلق بملف 'اليوم التالي' للحرب في قطاع غزة وانعدام الثقة المتبادلة.

وفيما يخص القضية الفلسطينية، اقترح المعهد التخلي عن الرفض المطلق للمبادرات السياسية واستبداله بـ 'خريطة طريق وظيفية'. ويهدف هذا المقترح إلى تحويل النقاش من حل الدولتين التقليدي إلى مسار مشروط بالأداء الأمني والإداري، بما يضمن عدم تصوير أي تقدم سياسي كجائزة للفصائل الفلسطينية بعد أحداث أكتوبر.

ويرى التقرير أن السعودية تمثل الرافعة المركزية لأي 'انقلاب إستراتيجي' قادم، داعياً الحكومة الإسرائيلية لاستثمار الرغبة الأمريكية في إبرام صفقة دفاعية مع الرياض. واقترح تقديم صيغة سياسية تمنح المملكة غطاءً عربياً للتطبيع عبر إعلان مبدئي عن أفق سياسي فلسطيني مشروط بمعايير أمنية صارمة ونزع السلاح.

كما تطرق التقرير إلى الساحة السورية، داعياً إلى تسريع التفاوض الأمني مع النظام السوري الجديد لدمجه في 'المحور العربي المعتدل'. ويهدف هذا المسار إلى تقليص النفوذ الإيراني والتركي في المنطقة، وتخفيف العبء العسكري عن الجيش الإسرائيلي في جبهة الجولان والشمال عبر بناء توازنات إقليمية جديدة.

وفي لبنان، دعا المعهد إلى دمج العمل العسكري بمسار سياسي واقتصادي يهدف إلى إضعاف حزب الله من خلال تقوية الحكومة والجيش اللبنانيين. واقترح التقرير صياغة قرار دولي محسن يتجاوز القرار 1701، مع إمكانية تسوية نقاط الخلاف الحدودية البرية بما في ذلك مزارع شبعا والغجر لانتزاع ذرائع المقاومة.

وحذر المعهد من الدور التركي، واصفاً أنقرة بأنها 'المعطل المحتمل' لأي بنية إقليمية جديدة بسبب طموحاتها في قيادة العالم السني ودعمها لحركات المقاومة. وطالب التقرير بتعزيز التحالف مع اليونان وقبرص واستخدام الضغوط الاقتصادية والسياسية الأمريكية لكبح جماح النفوذ التركي في الساحتين السورية والفلسطينية.

وحدد التقرير العائق الأكبر أمام تنفيذ هذه الرؤية في الداخل الإسرائيلي، وتحديداً في تركيبة الائتلاف الحكومي الحالي الذي يضم كتل اليمين المتطرف. وأوضح أن هذا الائتلاف يعاني من 'شلل مفاهيمي' يمنعه من اتخاذ قرارات إستراتيجية جريئة تتعلق بالإصلاحات في السلطة الفلسطينية أو الانفتاح على المسارات الإقليمية.

وللخروج من هذا المأزق، أوصى المعهد بتشكيل فريق وزاري أمني مصغر لوضع وثيقة شروط واضحة للتعامل مع الولايات المتحدة والشركاء الإقليميين. كما شدد على ضرورة فتح قنوات اتصال سرية مع الرياض ورام الله لتعريف نموذج 'السلطة الفلسطينية المتجددة' الذي يمكن أن تقبل به إسرائيل كشريك أمني وإداري.

وأكدت الدراسة أن استمرار الضغط العسكري وحده لن يؤدي إلى حسم الصراع، بل يجب أن يقترن بـ 'هندسة سياسية' شاملة تعيد صياغة علاقات إسرائيل بالمنطقة. واعتبرت أن الفشل في تحويل القوة العسكرية إلى إنجاز سياسي سيؤدي بالضرورة إلى استنزاف طويل الأمد للموارد البشرية والاقتصادية للمجتمع الإسرائيلي.

وفي ختام توصياته، دعا المعهد إلى تبني خطة 'المال مقابل السيادة الفعالة' في لبنان بالتنسيق مع دول الخليج وفرنسا لضمان استقرار الجبهة الشمالية. وشدد على أن الوقت لا يعمل لصالح إسرائيل في ظل تنامي قدرات 'محور المقاومة' وتطور أدواته في إدارة حرب استنزاف متعددة الجبهات تستهدف العمق الإسرائيلي.

تأتي هذه الورقة الإستراتيجية في وقت حساس تعاني فيه إسرائيل من انقسامات داخلية حادة حول قوانين التجنيد ولجان التحقيق في إخفاقات أكتوبر. وتبرز أهمية التقرير في كونه يعكس قلق النخبة الأمنية الإسرائيلية من ضياع 'الفرص الإستراتيجية' وسط الانشغال بالمعارك التكتيكية اليومية التي لا تفضي إلى نهاية واضحة للحرب.

دلالات

شارك برأيك

دراسة إسرائيلية: تل أبيب تعيش 'جموداً إستراتيجياً' وتآكلاً في مكانتها الدولية رغم التفوق العسكري

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.