أقلام وأراء

الثّلاثاء 07 يوليو 2026 10:01 صباحًا - بتوقيت القدس

حل الدولتين ... هل ما زال حلًّا يُطرح؟


في أقل من عام، اعترفت بدولة فلسطين عواصم امتنعت عن ذلك ثلاثة عقود، من لندن وباريس إلى أوتاوا وكانبرا، حتى تجاوز عدد المعترفين مئة وخمسين دولة، وبقيت الولايات المتحدة وحدها، بين دائمي العضوية في مجلس الأمن، خارج الإجماع. وأقرّت الجمعية العامة «إعلان نيويورك» بأغلبية ساحقة، ثم جاء «نداء باريس» الشهر الماضي ليجدد الحشد قبيل قمة مجموعة السبع، وفرضت عواصم أوروبية عقوبات على وزراء إسرائيليين وقادة استيطان. لم يكن حل الدولتين، منذ أوسلو، أكثر حضورًا في اللغة الدولية مما هو اليوم.
وفي الوقت نفسه، لم يكن أقل حضورًا على الأرض.
فالحل الذي يزدهر في النصوص يتآكل في الجغرافيا، إذ يتسارع الاستيطان بوصفه ردًّا معلنًا على الاعترافات، ويحيل التقطيع الضفة الغربية أرخبيلًا من الجزر المعزولة، ويزحف الضم الفعلي في القدس والأغوار، وتبلغ اعتداءات المستوطنين معدلات قياسية بشهادة تقارير الأمم المتحدة، ويدار قطاع مدمر بوصاية لا تذكر الدولة الفلسطينية إلا أفقًا مؤجلًا، فيما تعلن الحكومة الإسرائيلية أن هذه الدولة «خط أحمر» ويصوّت الكنيست ضد قيامها.
وهنا يلزم قول ما لا يقال عادة في البيانات. إن جزءًا كبيرًا من موجة الاعترافات لم يكن موجهًا إلينا نحن الفلسطينيين بقدر ما كان موجهًا إلى شوارع أوروبا نفسها، فقد أرادت حكومات أن تجيب ناخبيها الغاضبين من صور غزة. ولأن الاعتراف ولد إدارة لأزمة داخلية، جاء بلا كلفة على أحد، لا على من منحه، ولا على من يرفضه، وهذا هو الأخطر. والاعتراف الذي لا يكلف رافضه شيئًا يبقى تصريحًا حسن النية، لا سياسة.
لكن شيئًا أعمق جرى في هذه الأثناء وينبغي التقاطه. إسرائيل اليوم لا ترفض دولة فلسطينية فحسب، بل ترفض النظام الدولي ذاته. فحين تتحدى دولة إجماع أكثر من مئة وخمسين دولة، وفتوى محكمة العدل الدولية بعدم قانونية احتلالها، وقرارات الجمعية العامة المتعاقبة، فهي لم تعد تتفاوض على فلسطين، بل تختبر ما إذا كانت شرعية ما بعد 1945 ما زالت تعني شيئًا. وبهذا المعنى صارت فلسطين امتحان النظام الدولي لا مجرد قضية من قضاياه، والعالم حين يدافع عن حل الدولتين لا يجاملنا، بل يدافع عن نفسه.
ثم إن على من يعلن موت حل الدولتين أن يسمي لنا البديل الحي. فالبديل الوحيد المبني فعليًا على الأرض هو كيان واحد بقانونين ومنظومتي حقوق، ووصفة كهذه لا تنتج حلًّا بل حربًا دائمة تورث للأجيال. أما الرهان الإسرائيلي الحقيقي فليس الرفض الصريح، بل التأجيل الأبدي، أي إدارة الصراع بدل حله حتى يكتمل الضم لا بمرسوم بل بانقضاء المدة. فالوقت في فلسطين ليس محايدًا، وكل عام تأجيل هو ضم بوسائل أخرى. ولذلك فإن التمسك بحل الدولتين ليس سذاجة كما يقول المتعجلون، بل هو الواقعية السياسية الأخيرة قبل الهاوية.
على أن هذه الاعترافات، رغم كل ما سبق، لم تهبط من سماء التعاطف، فالشارع الدولي وفّر اللحظة، لكن من حصدها وحوّلها مكاسب رسمية هو الدبلوماسية الفلسطينية طويلة النفس التي قادتها منظمة التحرير والسلطة الوطنية بقيادة الأخ القائد محمود عباس، من انتزاع صفة الدولة المراقب في الأمم المتحدة عام 2012، إلى الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية، وصولًا إلى الشراكة مع المسار السعودي الفرنسي الذي أثمر إعلان نيويورك. لقد كان الرهان على الشرعية الدولية يبدو ترفًا يوم اتخذ، ثم حوّل عزلة القضية إلى عزلة تفرض على من ينكرها، ونقل السؤال الدولي من سؤال الاستحقاق إلى سؤال التنفيذ، أي من التساؤل عما إذا كان الفلسطينيون يستحقون دولة، إلى البحث في كيفية فرض هذه الدولة على من يمنع قيامها.
والجواب في ثلاثة شروط لم تكتمل بعد. أولها كلفة حقيقية على من يقوض الحل، عقوبات تطال الاقتصاد والتسليح وتجارة المستوطنات لا أفرادًا بأعينهم. وثانيها الانتقال من الاعتراف بفلسطين إلى معاملتها دولة في السياسة اليومية، بعضوية كاملة في الأمم المتحدة وسفارات واتفاقيات كاملة الصلاحيات وحماية للسكان. وثالثها استكمال ترميم البيت الفلسطيني الداخلي تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، على قاعدة سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح شرعي واحد، فالاعتراف الخارجي لا يقيم دولة من دون مرجعية وطنية جامعة تحمل المشروع وتصونه.
إن حل الدولتين لا يموت بقرار يتخذ في تل أبيب أو واشنطن، إنما يموت بالتقادم، جدارًا فجدارًا، وبؤرة فبؤرة، وطريقًا التفافيًا يفصل قرية عن مدينتها. وما لم يتحول الاعتراف من بيان إلى إنفاذ، ومن تعاطف إلى كلفة، فسيأتي يوم تكون فيه فلسطين معترفًا بها من العالم كله إلا من الجغرافيا، وعندها لن يكون الاعتراف تتويجًا لنضال شعب، بل رثاء مهذبًا لوطن اقتسم أمام أعين المعترفين.

دلالات

شارك برأيك

حل الدولتين ... هل ما زال حلًّا يُطرح؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.