في زاوية الغرفة المعتمة، كان طفل في العاشرة يجهش بالبكاء، يضم ركبتيه إلى صدره كأنه مجرم ينتظر النطق بالحكم. في الصالة المجاورة، كان صوت الأب يرتفع غاضباً، يلوّح بورقة تحمل الرقم 70% كأنها وثيقة إدانة نهائية تقضي على مستقبل ابنه. وفي المقابل، في بيت آخر لا يبعد كثيراً، كانت تعلو زغاريد هستيرية احتفالاً برقم 99%، فرحة عارمة ووعود بمستقبل باهر، مستقبل قد يتبخر بعد سنوات قليلة في طوابير البطالة أو في أروقة عيادات الطب النفسي. بين المشهدين أقف حائرة أمام سؤال أكرره دائما: من الذي أقنعنا أن قيمة هذا الكائن الإنساني المعقد، بكل ما يحمله من أحلام ومخاوف وقدرات كامنة وتجارب شعورية يمكن أن تختزل في رقمين مكتوبين بحبر جاف على ورقة بيضاء؟ وكيف سمحنا لأنفسنا أن نرهن سعادة بيوتنا واستقرار أبنائنا النفسي بمؤشر رقمي لا يعكس سوى جزء ضئيل جداً من حقيقتهم؟
إننا نعيش في وهم تاريخي توارثناه دون تفكير، حيث نتعامل مع المدرسة كمصنع سيارات، ونتعامل مع أبنائنا كقطع غيار يجب أن تتطابق مع معايير الجودة الصناعية. لقد صُمم نظام الدرجات في القرن التاسع عشر، متأثراً بالنموذج التيلوري للإدارة العلمية، بهدف فرز عمال المصانع وتصنيفهم بكفاءة لخدمة الآلة الرأسمالية. المصنع يحتاج عمالاً متشابهين، يطيعون الأوامر، ويؤدون مهام متكررة دون تساؤل، والمدارس لا تزال تدار بنفس العقلية الصناعية التي تقيس جودة المنتج النهائي. هل تقبل أن تعيش في بيت مبني بتكنولوجيا القرن التاسع عشر؟ هل تقبل أن تُعالج بأدوية منتهية الصلاحية منذ مائة عام؟ فلماذا تقبل إذن أن تُقيّم عقل ابنك وروحه بأدوات صُممت لعصر الثورة الصناعية، في وقت نعيش فيه ثورة معرفية وإنسانية تتجاوز كل المقاييس القديمة؟ إن الإصرار على استخدام هذه المقاييس البالية هو بمثابة محاولة قياس عمق المحيط باستخدام مسطرة خشبية.
والمضحك المبكي أننا في زمن الذكاء الاصطناعي حيث أصبح الحفظ والتلقين واسترجاع المعلومات بلا قيمة حقيقية. الهاتف الذي يحمله ابنك في جيبه يعرف معلومات أكثر من كل المناهج الدراسية مجتمعة، ويمكنه استرجاعها في جزء من الثانية. سوق العمل اليوم لم يعد يبحث عن قواميس بشرية أو آلات حاسبة ناطقة، بل يبحث عن المرونة النفسية، والقدرة على حل المشكلات المعقدة، والذكاء الاجتماعي، والتعاطف الإنساني. إن ابنك صاحب الـ 60% الذي يمتلك مهارة إقناع وذكاء اجتماعي وقدرة على بناء العلاقات وتجاوز الأزمات، قد يوظف مستقبلاً صاحب الـ 100% الذي لا يجيد التحدث مع الناس أو التعامل مع ضغوط الحياة. وتؤكد لغة الأرقام هذه الحقيقة فوفقاً لتقرير حديث وواسع النطاق صادر عن معهد سترادا ومعهد بيرنينغ جلاس في عام 2024 فإن 52% من خريجي البكالوريوس يعملون في وظائف لا تتطلب شهادة جامعية بعد سنة من تخرجهم. والأخطر من ذلك أن 45% منهم يبقون في هذه الوظائف حتى بعد عشر سنوات من التخرج. هذه الأرقام توضح بأن التفوق الأكاديمي بشكله التقليدي لم يعد تذكرة عبور مضمونة للنجاح المهني أو الاستقرار النفسي وقد يكون في بعض الأحيان فخاً يعزل الطالب عن مهارات الحياة الحقيقية.
إن جريمة تصنيف البشر وفق مقياس أحادي هي الخطيئة الكبرى للنظام التعليمي الحديث. لقد أثبت عالم النفس هوارد غاردنر في نظريته للذكاءات المتعددة أن الإنسان يمتلك أنواعاً مختلفة من الذكاء، كالذكاء الاجتماعي والحركي والمكاني والموسيقي والطبيعي والشخصي. لكن الإدارة المدرسية التقليدية بضيق أفقها تقيس نوعين فقط اللغوي والمنطقي الرياضي وتعتبر من لا يتفوق فيهما فاشلاً أو متأخراً. ولنا في التاريخ عبرة لا تُنسى فالشاب ألبرت أينشتاين الذي يُضرب به المثل في العبقرية الفذة، رسب في امتحان القبول للمعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا عام 1895 وهو في السادسة عشرة من عمره. لم يرسب في الرياضيات كما تقول الأسطورة الشائعة التي نتداولها بل كان متفوقاً فيها، لكنه رسب في أقسام النبات والحيوان واللغات، لأن النظام التعليمي التقليدي لم يستوعب عقله المختلف واهتماماته العميقة. ترك المدرسة مبكراً، وعانى لإيجاد وظيفة أكاديمية بسبب تقييمات أساتذته السلبية، لكنه في النهاية غيّر فهمنا للكون بأكمله. كم أينشتاين صغيراً نقتله اليوم في فصولنا الدراسية لأننا نقيس قدرته على تسلق الشجرة وهو في الحقيقة سمكة خُلقت لتسبح في محيطات أخرى؟ وكم من موهبة وأدناها في مهدها لأنها لم تتناسب مع قوالبنا الجاهزة؟
هنا تأتي صدمة الطاولة المقلوبة التي يجب أن يدركها كل تربوي وولي أمر يمتلك شجاعة المواجهة. إن الدرجة المنخفضة التي يحصل عليها الطالب ليست دليلاً على غبائه أو كسله بل هي في كثير من الأحيان دليل قاطع على فشل الإدارة المدرسية في توفير بيئة محفزة وآمنة، وفشل المعلم في إيصال المعلومة بطريقة تناسب ذكاء الطالب المتفرد، وفشل بيئة البيت في توفير الدعم النفسي والاحتواء العاطفي. الطالب في هذه المعادلة المعقدة هو الضحية وليس المذنب، هو المؤشر الحساس الذي يكشف خلل النظام، وليس الخلل بحد ذاته. عندما نعاقب الطالب على درجته المنخفضة، فإننا تماماً كمن يعاقب المرآة لأنها تعكس صورة غير جميلة لواقعنا التربوي المشوه. القيادة التربوية الحقيقية هي تلك التي تقرأ ما خلف الأرقام، وتبحث عن الأسباب العميقة للتعثر، بدلاً من الاكتفاء بدور القاضي الذي يصدر أحكاماً قاطعة بناءً على أدلة سطحية.
لذا، ومن موقعي كباحثة وأم وإنسانة تعيش واقع المدارس وتسمع نبضها، لا أقدم هنا توصيات أكاديمية مملة تُحفظ في الأدراج، بل أصدر بياناً للتحرر الإنساني، أمراً إدارياً وتربوياً نابعاً من القلب لكل أب وأم مزقوا قدسية الرقم في عقولكم قبل أن يمزق أرواح أبنائكم. احتضنوا أبناءكم بعيداً عن مشنقة التقييم والمقارنات القاتلة. ابدأوا في هذا الصيف باكتشاف الإنسان الحقيقي داخلهم، ابحثوا عن شغفهم الدفين، عن ذكائهم المخبوء خلف أرقام الشهادات الباردة. دعوهم يخطئون، ويتعلمون من تعثرهم، ويكتشفون الحياة الحقيقية خارج أسوار المدرسة وبعيداً عن قلق الامتحانات. مات المقياس الذي صُنع في مصانع الأمس.. وعاش ابنكم بطلاً في حياته الواقعية، إنساناً كاملاً، حراً، لا يمكن اختزاله أبداً في نسبة مئوية.
أقلام وأراء
الثّلاثاء 07 يوليو 2026 10:07 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
مات المقياس .. وعاش الإنسان شهادة الـ 100% التي لا تضمن خبزاً ولا سعادة