كشفت تقارير ميدانية وتقنية عن تحول جذري في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، حيث بات الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة ركيزة أساسية في إدارة العمليات بقطاع غزة. هذه التقنيات التي طُورت لرفاهية الإنسان، سُخرت كأدوات للقتل الرقمي والمراقبة الجماعية، مما أدى إلى تسريع وتيرة الاستهداف بشكل غير مسبوق. وتتزامن هذه التطورات مع دخول العدوان يومه الألف، وسط انتقادات دولية لدور شركات التكنولوجيا العالمية في توفير المنصات اللازمة لهذه العمليات.
تنتقل عملية تحديد الأهداف في غزة من المستوى الميداني التقليدي إلى مستوى تقني معقد، حيث تُدمج البيانات الرقمية في منظومات استخباراتية موحدة. ويؤدي مركز التنسيق المدني العسكري، المدعوم من الولايات المتحدة، دوراً محورياً في ربط العمليات الميدانية بشبكات الاستخبارات الرقمية. وتتم معالجة صور الأقمار الصناعية والبيانات البيومترية وإشارات الطائرات المسيرة عبر أنظمة ذكاء اصطناعي قبل إرسال النتائج النهائية للوحدات القتالية.
تبرز منصة 'مافن' التابعة لشركة 'بالانتير' الأمريكية كأحد المحركات الرئيسية لدمج المصادر الاستخباراتية المتعددة، مما يحول تحديد الأهداف إلى عملية شبه آلية. وبالتوازي مع ذلك، توفر شركة 'داتامينر' تحليلات فورية للمخاطر بناءً على بيانات منصات التواصل الاجتماعي. هذه المنظومة المتكاملة تعتمد بشكل كلي على بنية تحتية تقنية توفرها شركات عالمية لتعزيز القدرات العملياتية للجيش الإسرائيلي في الميدان.
تستخدم سلطات الاحتلال منظومتي 'لافندر' و'ويرز دادي' القائمتين على الخوارزميات لتتبع آلاف الفلسطينيين وتصنيفهم كأهداف محتملة. ورغم الأسماء التي قد تبدو مدنية، إلا أن هذه الأنظمة تعمل على بناء تقديرات حول ارتباط الأشخاص بفصائل المقاومة. ويقوم نظام 'ويرز دادي' تحديداً بتتبع المستهدفين حتى وصولهم إلى منازلهم، ثم يرسل إشعارات فورية للقوات لبدء القصف، دون اعتبار لوجود مدنيين آخرين.
أقرت شركة 'بالانتير' بتزويد الجيش الإسرائيلي بتقنيات مخصصة لدعم عمليات تحديد الأهداف منذ أكتوبر 2023، مؤكدة زيادة الطلب على منتجاتها المتقدمة. وقد وقعت الشركة اتفاقيات استراتيجية مع رئاسة الاحتلال ووزارة الدفاع لتوفير أدوات تقنية تدعم المجهود الحربي. ويرى مراقبون أن هذا التعاون الوثيق يضع الشركات التكنولوجية في مواجهة مباشرة مع القوانين الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
في سياق المراقبة، تعتمد إسرائيل على طائرات مسيرة أمريكية الصنع وتقنيات التعرف على الوجوه التي تطورها شركة 'إلبيت سيستمز'. تتيح هذه الأدوات بناء قواعد بيانات ضخمة يتم تحديثها لحظياً لتتبع تحركات الفلسطينيين والتحقق من هوياتهم عند نقاط التفتيش. ويحذر حقوقيون من أن استخدام الخوارزميات يمنح الاحتلال ذريعة للتنصل من المسؤولية القانونية عبر ادعاء وقوع 'أخطاء تقنية'.
يمثل 'مشروع نيمبوس' الذي تبلغ قيمته 1.2 مليار دولار، العمود الفقري للحوسبة السحابية التي تستخدمها المؤسسات العسكرية الإسرائيلية. هذا المشروع، الذي تنفذه شركتا 'غوغل' و'أمازون'، يوفر مراكز بيانات تتيح تخزين ومعالجة كميات هائلة من المعلومات الاستخباراتية. وتوفر هذه المنصات خدمات متقدمة في التعلم الآلي تساهم في تحليل السلوك البشري وتتبع الأجسام بدقة عالية.
الذكاء الاصطناعي في غزة لا يكتفي بتحليل المعلومات، بل يسهم مباشرة في توجيه قرارات الاستهداف وتحويل البيانات إلى أهداف عسكرية قابلة للتصفية.
تشير وثائق مسربة إلى أن منصة 'غوغل كلاود' تمنح الاحتلال أدوات متطورة للتصنيف الآلي للصور وتحليل المشاعر بناءً على التسجيلات الصوتية والمرئية. كما يستطيع نظام 'أوتو إم إل' تحليل سجلات المعتقلين وتقارير الاستطلاع لاقتراح إحداثيات دقيقة للأهداف العسكرية. هذا التوظيف للحوسبة السحابية يتجاوز مجرد التخزين إلى كونه منصة لاتخاذ قرارات القتل المباشر.
لا تقتصر قدرات المنظومة الرقمية على تحليل البيانات الميدانية، بل تمتد لمراقبة المحتوى الرقمي وتصنيفه كـ 'مناهض لإسرائيل'. ويتم تحليل البث المباشر من كاميرات الشوارع والطائرات المسيرة لتتبع الأشخاص بصورة لحظية ومستمرة. هذه الرقابة الشاملة تهدف إلى إحكام السيطرة الأمنية وتسهيل عمليات الملاحقة والاعتقال أو التصفية الجسدية.
منذ بدء العدوان الواسع، تحولت الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى أداة لتنفيذ إبادة جماعية طالت أكثر من 2.4 مليون فلسطيني. وقد سيطر الاحتلال على مساحات شاسعة من القطاع، مستخدماً كميات هائلة من المتفجرات التي دمرت البنية التحتية المدنية بشكل شبه كامل. الأرقام تشير إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث تجاوز عدد الشهداء والمفقودين عشرات الآلاف، معظمهم من النساء والأطفال.
أفادت مصادر طبية بأن عدد الجثامين التي وصلت للمستشفيات تجاوز 73 ألفاً، في حين لا يزال الآلاف تحت الأنقاض التي لا تستطيع الطواقم الوصول إليها. وقد أدت الغارات المكثفة، الموجهة خوارزمياً، إلى إبادة عائلات بأكملها وشطبها من السجل المدني. هذا الدمار الممنهج طال أيضاً المنظومة الصحية والتعليمية، مما جعل الحياة في القطاع شبه مستحيلة.
تثير هذه التقنيات تساؤلات أخلاقية عميقة حول 'أنسنة' الحرب، حيث يتم استبدال القرار البشري بتقديرات برمجية قد تفتقر للدقة. ويرى خبراء أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في غزة هو بمثابة 'مختبر تجارب' لتقنيات القتل المستقبلية. إن غياب الرقابة الدولية على هذه الشركات يمنحها الضوء الأخضر للاستمرار في تطوير أدوات تساهم في انتهاك القانون الدولي الإنساني.
إن الربط بين البيانات البيومترية وسجلات الاتصالات وصور الأقمار الصناعية يخلق 'سجناً رقمياً' يحيط بكل سكان القطاع. هذه المنظومة تتيح للاحتلال التنبؤ بالتحركات واستهداف الأفراد في أكثر اللحظات ضعفاً، مثل تواجدهم مع عائلاتهم. وتؤكد التقارير أن هذه التكنولوجيا لم تقلل من الخسائر المدنية، بل زادت من فتك العمليات العسكرية ودقتها في التدمير الشامل.
ختاماً، يظهر الواقع في غزة أن 'القتل الرقمي' أصبح واقعاً ملموساً يتجاوز حدود الخيال العلمي، حيث تساهم كبرى شركات التكنولوجيا في صياغة مشهد الإبادة. إن استمرار هذا النهج يهدد بتحويل الحروب القادمة إلى صراعات تدار بالكامل عبر الخوارزميات، بعيداً عن أي معايير أخلاقية أو قانونية. ويبقى الفلسطينيون في غزة هم الضحايا الأوائل لهذا التحول التقني المرعب في وسائل القتل الجماعي.





شارك برأيك
القتل بالخوارزميات.. كيف حولت إسرائيل الذكاء الاصطناعي إلى آلة إبادة في غزة؟