أقلام وأراء

الثّلاثاء 07 يوليو 2026 11:47 صباحًا - بتوقيت القدس

نحن في حالة حرب

 غرشون باسكين

تدور في إسرائيل اليوم حرب. لكنها ليست الحرب التي يتابعها معظم الناس. وهي لا تُخاض بين جيشين يقفان وجهاً لوجه في ساحة المعركة. إنها حرب أحادية الجانب، تُشنّ علناً من قبل متطرفي اليمين ووكلائهم من المستوطنين العنيفين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.

الفلسطينيون هم الضحايا المباشرون. بيوتهم وحقولهم وسياراتهم وأشجار زيتونهم ومواشيهم وقراهم وحياتهم اليومية تتعرض للهجوم. عائلات تُرهب وتُدفع إلى مغادرة أراضيها. رعاة يُطردون من مناطق الرعي. مزارعون يُمنعون من الوصول إلى حقولهم. مصادر مياه تُقطع. ومجتمعات كاملة تُجبر على العيش تحت تهديد دائم.

لكن علينا نحن الإسرائيليين أن نفهم أمراً أعمق وأكثر خطورة: الفلسطينيون هم الضحايا، لكن الهدف الحقيقي هو إسرائيل الليبرالية الديمقراطية.

هذه حرب ضد سيادة القانون، وضد المساواة، وضد كرامة الإنسان، وضد سلطة المحاكم، وضد الجيش كمؤسسة تابعة للدولة، وضد الفكرة الأساسية القائلة إن الدولة يجب أن تخدم جميع مواطنيها، لا مشروعاً مسيحانياً واحداً يسعى إلى إقامة “مملكة الله”.

إن المتطرفين السياسيين من اليمين، ووكلاءهم من المستوطنين العنيفين، والجنود المتعاونين معهم، لا يريدون إسرائيل التي وُعدنا بها في وثيقة الاستقلال. إنهم لا يريدون دولة تقوم على الحرية والعدل والسلام والمساواة. إنهم يريدون مملكة إلهية مسيحانية، دينية وهلاخية. يريدون سيادة بلا ديمقراطية، ويهودية بلا أخلاق، وقوة بلا قيود، وأرضاً بلا فلسطينيين.

بالنسبة إليهم، حتى الواقع الحالي ليس إلا مرحلة في الطريق إلى مشروعهم الديني الأكبر: تغيير الوضع القائم في الحرم القدسي الشريف عبر تدمير المساجد وإعادة بناء الهيكل.

وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ومن يشاركونه أيديولوجيته، لا يكتفون بتوسيع المستوطنات وخلق وقائع جديدة على الأرض. إنهم يدفعون قدماً بمشروع ثوري. لا توجد أسرار هنا. فقد كتب سموتريتش خطته ونشرها قبل سنوات.

هدفهم هو استبدال إسرائيل الديمقراطية بنظام ديني قومي، تصبح فيه السيادة اليهودية قانوناً، ويُعامل الوجود الفلسطيني بوصفه مشكلة يجب إزالتها، ويُصنَّف الإسرائيليون الليبراليون كخونة أو فوضويين أو عقبات يجب هزيمتها.

لذلك، فإن عنف المستوطنين ليس قضية جانبية. إنه ليس “شقاوة” من فتية التلال، ولا تصرفات بضعة شبان منفلتين أو حفنة من أصحاب المزارع المتمردين. إنه ليس هامشياً. إنه التعبير الميداني، على مستوى الشارع والتلة، عن أيديولوجيا باتت اليوم داخل حكومة إسرائيل، وداخل الجيش الإسرائيلي، وداخل الشاباك، وقريباً قد تتغلغل عميقاً في جهازنا القضائي.

إنه مشروع استراتيجي ومنهجي، يتقدم وفق خطة. ممثلوه يسيطرون على مفاصل مركزية من قوة الدولة: وزارة المالية، والإدارة المدنية، وأجزاء واسعة من جهاز الشرطة في الضفة الغربية، ونفوذ متزايد داخل الجيش والمؤسسة الأمنية. إنهم لا يحتاجون إلى إسقاط الدولة من الخارج. إنهم يفرغونها من الداخل.

وهم يتقدمون طوال الوقت، وينجحون. عشرات التجمعات الفلسطينية شُرّدت بالفعل. مئات البؤر والمستوطنات الجديدة أُقيمت أو جرى توسيعها. وقد امتدت سيطرة المستوطنين على مساحات واسعة من الضفة الغربية عبر البؤر الاستيطانية، والمزارع، والطرق، والمناطق الأمنية، والبنية التحتية، والترهيب، والعنف المباشر. المزيد والمزيد من الأراضي يُنتزع بعنف ويوضع تحت سيطرتهم، بينما يكاد الجمهور الإسرائيلي لا يلاحظ ما يحدث.

هكذا يهزموننا.

عندما يُهاجَم الفلسطينيون ولا تحميهم الدولة، تتغير إسرائيل. عندما يحمي الجنود المستوطنين بينما يعيث المستوطنون فساداً، تتغير إسرائيل. عندما يبرر الوزراء هذا العنف أو يعتذرون عنه أو يشجعونه، تتغير إسرائيل.

وعندما تربط الدولة المستوطنات والبؤر الاستيطانية — حتى تلك غير القانونية بموجب القانون الإسرائيلي نفسه — بالمياه والكهرباء والطرق والحماية الأمنية، تتغير إسرائيل. وعندما يُطبَّق القانون بشكل مختلف على اليهود والفلسطينيين، تُفرَّغ الديمقراطية من داخلها.

لا يمكن لإسرائيل أن تبقى ديمقراطية وهي تتسامح مع عنف يُرتكب باسم اليهودية وباسم أرض اليهود. ولا يمكن لدولة يهودية أن تبقى يهودية أخلاقياً وهي تسمح ليهود بإرهاب شعب آخر. ولا يمكن لمجتمع حر أن يبقى حراً عندما يُسمح للمتطرفين العنيفين بالحكم عبر الخوف، فقط لأن عنفهم يخدم هدفاً أيديولوجياً أوسع.

يجب أن نكون واضحين: معارضة المستوطنين العنيفين ليست موقفاً معادياً لإسرائيل. إنها فعل ولاء لإسرائيل. والدفاع عن الفلسطينيين في مواجهة إرهاب المستوطنين ليس قضية فلسطينية فقط. إنه ضرورة ديمقراطية إسرائيلية. وهو أيضاً ضرورة يهودية، لأن اليهودية التي تتحول إلى أداة للهيمنة والانتقام والتفوق ليست اليهودية القادرة على إقامة بيت قومي أخلاقي للشعب اليهودي.

الصراع اليوم ليس فقط بين الإسرائيليين والفلسطينيين. إنه أيضاً صراع بين رؤيتين لإسرائيل. رؤية ديمقراطية، يهودية، ليبرالية، تعددية، إنسانية وملتزمة بسيادة القانون. ورؤية أخرى مسيحانية، تفوقية، سلطوية وعنيفة. الرؤية الأولى تفهم أن تقرير المصير اليهودي يجب أن يقترن بالمسؤولية الأخلاقية. أما الثانية فتؤمن بأن القوة اليهودية تلغي حقوق الآخرين.

السياسيون اليمينيون المتطرفون ووكلاؤهم من المستوطنين العنيفين يعرفون جيداً من أجل ماذا يقاتلون. إنهم منظمون، مصممون ومحميون. لديهم أيديولوجيا، واستراتيجية، وقيادة سياسية، وحاخامات يمنحون أفعالهم لغة دينية، ووزراء يفتحون لهم أبواب الدولة، وجيش كثيراً ما يحميهم بدلاً من أن يردعهم. إنهم لا ينتظرون إذناً من الأغلبية الإسرائيلية. إنهم يتقدمون.

وماذا عنا نحن؟ أغلبية الإسرائيليين تريد الهدوء. نريد أن نعيش حياتنا، وأن نربي أبناءنا، وأن نتعافى من الصدمة، وأن نتجنب معركة داخلية أخرى. كثيرون منا يتحدثون عن الرغبة في الوحدة. وكثيرون منا لا يرون ما يجري في تلال ووديان الضفة الغربية. وكثيرون يفضلون ألا يروا. بعضنا يقول لنفسه إن الأمر بعيد، أو إنه يخص الفلسطينيين وحدهم، أو إن الجيش والشرطة يعرفان ما يفعلان.

لكن الصمت ليس حياداً. الصمت هو استسلام.

بينما تصرف أغلبيتنا النظر، تعيد أقلية مصممة تشكيل بلدنا. وبينما نتجادل نحن الإسرائيليين في السياسة كالمعتاد، تُخاض هذه الحرب تقريباً من دون أي مقاومة من جانب أولئك الذين يقولون إنهم يهتمون بمستقبل إسرائيل الديمقراطي.

السؤال هو هل ندرك ما الذي نخسره.

نحن نخسر سيادة القانون. نخسر السلطة الأخلاقية للجيش. نخسر إمكانية السلام في المستقبل. نخسر مكانتنا في العالم. نخسر اليهودية القائمة على كرامة الإنسان. ونخسر إسرائيل التي وعدت بالمساواة لجميع مواطنيها وسعت إلى السلام مع جيرانها.

إذا لم نوقفهم، فسيواصل الفلسطينيون المعاناة أولاً. لكن إسرائيل — إسرائيل الديمقراطية، إسرائيل الليبرالية، إسرائيل الكريمة، إسرائيل التي ما زالت تملك فرصة للعيش بسلام مع جيرانها — قد تكون الضحية الأخيرة.

هذه حرب. وقد حان الوقت لأن يفهم الإسرائيليون الديمقراطيون أننا موجودون فيها بالفعل.

د. غرشون باسكين هو الرئيس المشارك لتحالف الدولتين، ومدير الشرق الأوسط في منظمة المجتمعات الدولية.

دلالات

شارك برأيك

نحن في حالة حرب

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.