في المغير، لم يكن الأطفال يخوضون معركة. كانوا يختبرون حقهم الأول في الحياة: أن يرفعوا رؤوسهم إلى السماء، وأن يطلقوا طائرةً ورقية تحمل علم فلسطين، تاركين للريح أن تكمل ما تعجز عنه الأيدي الصغيرة.
لكنّ الجندي لا يرى السماء كما يراها الأطفال.
يراها مساحة ينبغي السيطرة عليها، ويرى كل ما يرتفع فيها احتمالا للخوف، حتى لو كان مجرد قطعة قماش مربوطة بخيط. ولذلك لن يكتب في محضره أنه طارد أطفالا.
سيكتب ببرودٍ إداري: "تمت مصادرة مواد تحمل رموزا وطنية".
فالمحاضر لا تُكتب لتروي الحقيقة، بل لتخفيها.
لن يكتب أنّ الطفولة كانت تركض أمامه، وأنّ بندقيته كانت أثقل من خوف الأطفال، لكنها أخف من خوفه من علم يرقص في الهواء.
هناك سؤالٌ قديم في الفلسفة: متى تفقد السلطة ثقتها بنفسها؟
الجواب ليس حين تواجه الجيوش، بل حين تخشى لعبة طفل.
فالقوة التي ترتبك من طائرة ورقية لا تكشف قوة السلاح، بل تكشف هشاشة الخوف الذي يحمله صاحبه.
في المغير، لم تُصادر طائرة ورقية فقط.
لقد صودرت لحظة كان ينبغي أن تبقى مقدسة في حياة إنسان: أن يجري في الحقل دون أن يلتفت وراءه، وأن يتعلم من الريح كيف يوازن خيطه، لا كيف يوازن بين النجاة والخطر.
الطفولة ليست مرحلة عمرية فحسب. إنها الحق الأخير للإنسان في أن يرى العالم قبل أن تلوثه الكراهية.
وحين يطارد الجنود طفلا، فإنهم لا يطاردون جسدا صغيرا، بل يطاردون الفكرة التي يمثلها: أنّ الإنسان يولد حرا قبل أن تتعلم السلطة كيف تضع الأسلاك في طريقه.
لن يكتب الجندي أنّ طفلا عاد إلى بيته يسأل: هل أصبحت السماء أيضا منطقة عسكرية؟
ولن يكتب أنّ أما في المغير كانت ترتجف وهي ترى طفلها يركض، لأنّ قلب الأم يعرف أنّ الرصاصة لا تسأل عن العمر.
وفي محاضر الجنود، لا مكان لارتعاشة الأصابع وهي تتمسك بخيط الطائرة.
ولا مكان للدمعة التي ابتلعها طفل حتى لا يخجل أمام أصدقائه.
ولا مكان للأسئلة التي ستكبر معه: كيف لجندي يحمل بندقية أن يخشى طفلا لا يحمل سوى خيط طائرة ورقية؟ وأيُّ سلطةٍ تلك التي ترى في الطفولة تهديدا، وفي الفرح خطرا، وفي علم يرقص مع الريح خصما يستحق المطاردة؟
إنّ أخطر ما يفعله الاحتلال ليس مصادرة الأرض وحدها، بل محاولة مصادرة المعنى؛ أن يقنع الطفل بأنّ الخوف هو الحالة الطبيعية، وأنّ الركض ليس لعبة، بل وسيلة للبقاء. لكنّ المعاني لا تُصادر.
فالطائرة التي أُسقطت من السماء ستظل معلقة في الذاكرة، والطفل الذي تعثر وهو يهرب سيكبر وهو يعرف أنّ ما أراده يوما لم يكن أكثر من حقه في طفولة كاملة.
هذه هي الرواية التي لا تُكتب في محاضر الجنود، لأنّ المحاضر تحفظ الوقائع، أما الذاكرة فتحفظ الحقيقة.
وفي النهاية، لن يتذكر التاريخ رقم الدورية التي اقتحمت المغير، ولا اسم الجندي الذي صادر الطائرة الورقية.
لكنه سيتذكر أنّ جيشا كاملا استنفر يوما لمطاردة أطفال، لأنهم أرادوا أن يتركوا علمهم يرقص مع الريح.
فثمة انتصارات لا تُقاس بما يُصادر، بل بما يبقى حيا في الذاكرة. وما بقي من ذلك اليوم لم يكن محضرا عسكريا، ولا بندقيةً، ولا دوريةً تنتهج الاقتحام؛ بل صورة أطفالٍ في المغير يرفعون أعينهم إلى السماء، مؤمنين بأنّ الريح لا تعترف بالحدود، وأنّ الطفولة، مهما طوردت، تعرف دائما كيف تعود لتحلّق.
أقلام وأراء
الأحد 05 يوليو 2026 10:19 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
سرديات ما لا يُكتب في محاضر الجنود (6): الطائرة الورقية التي استنفرت جيشاً