تواجه الحكومة الألمانية اتهامات متصاعدة باستخدام أدوات الترهيب القانوني ضد النشطاء الأجانب المقيمين على أراضيها، بهدف ثنيهم عن المشاركة في الفعاليات الداعمة لفلسطين والمطالبة بوقف الحرب في قطاع غزة. وأفادت مصادر بأن هذه الإجراءات لم تعد تقتصر على المهاجرين من أصول عربية، بل امتدت لتشمل مواطنين من دول غربية وجدوا أنفسهم في مواجهة معارك قانونية معقدة تستهدف مستقبلهم الوظيفي والقانوني.
الناشطة الأمريكية كوبر وصفت تجربتها بأنها تجاوزت التوقعات من حيث مستوى القمع الممارس، معتبرة أن ما تعرضت له يمثل رسالة واضحة لكل من يعارض الموقف الرسمي الألماني تجاه غزة. وأكدت كوبر أن السلطات تسعى لخلق حالة من الخوف العام عبر التحقيقات الجنائية وتعليق الأوضاع القانونية، وصولاً إلى التهديد بالترحيل الفعلي من البلاد.
وفي سياق متصل، تعرض الناشط التشيلي لويس كورتيز للاحتجاز عقب مشاركته في اعتصام سلمي داخل جامعة برلين الحرة في شهر نوفمبر من عام 2023. ورغم محاولته الاستجابة لطلبات السلطات بمغادرة الموقع، إلا أنه اعتُقل ووُضع في مسار قانوني أدى في نهاية المطاف إلى رفض دائرة شؤون الأجانب تجديد إقامته الرسمية.
وأوضح كورتيز أن حصوله على حكم قضائي بالبراءة لم يشفع له لدى المؤسسات البيروقراطية الألمانية، التي أبقته في 'منطقة رمادية' تمنعه من ممارسة حياته الطبيعية. ويرى الناشط التشيلي أن إصرار النيابة العامة والجامعة على ملاحقته رغم نقص الأدلة يعكس توظيفاً سياسياً واضحاً للمنظومة القانونية لإسكات الأصوات المعارضة.
من جانبه، كشف الناشط الأيرلندي شين أوبراين عن تفاصيل صادمة تتعلق بمحاولات ترحيله، مشيراً إلى أن محاميه اطلعوا على وثائق داخلية تثبت عدم وجود أي أساس قانوني لهذه الخطوة. وأكد أوبراين أن القضية استمرت فقط بسبب ضغوط مباشرة مارستها وزارة الداخلية الألمانية، مما يثير تساؤلات حول استقلالية القرار الإداري في قضايا الهجرة.
الوقوف ضد الإبادة الجماعية واجب أخلاقي لا يمكن الصمت تجاهه، وما يحدث هو رسالة ترهيب لجميع المتضامنين.
وتشترك الحالات الثلاث في صدمة تبدد وهم 'الحماية' التي كانت تمنحها جوازات السفر الغربية لأصحابها في مواجهة السلطات. فرغم اعتراف الناشطة الأمريكية بامتلاكها نوعاً من الامتياز مقارنة باللاجئين، إلا أن ذلك لم يمنع الأجهزة الأمنية من ملاحقتها والتضييق عليها بسبب موقفها الأخلاقي من الأحداث في الأراضي الفلسطينية.
ويرى هؤلاء النشطاء أن القوانين في ألمانيا باتت تُطبق بانتقائية شديدة عندما يتعلق الأمر بحرية التعبير عن الرأي تجاه القضية الفلسطينية. وأشاروا إلى أن المؤسسات التعليمية والأمنية تعمل بتنسيق وثيق لضمان عدم خروج أي صوت يكسر حاجز الصمت المفروض حول ما يجري في قطاع غزة من انتهاكات.
وعلى الرغم من هذه الضغوط الهائلة، يشدد النشطاء على أن دافعهم الإنساني يظل المحرك الأساسي لاستمرارهم في التضامن، معتبرين أن الصمت تجاه 'حرب الإبادة' هو تفريط في الواجب الأخلاقي. وأكد الناشط الأيرلندي أن محاولة وقف المجازر في غزة تمثل الحد الأدنى من الالتزام بالقيم الإنسانية التي تدعي الديمقراطيات الغربية حمايتها.
لقد أدت هذه الممارسات إلى تغيير جذري في نظرة هؤلاء النشطاء تجاه المبادئ الأوروبية، حيث اعتبرت كوبر أن التجربة كشفت عن 'عنصرية دفينة' وتناقض فج في معايير حرية التعبير. وأعربوا عن تشككهم العميق في التزام المؤسسات الرسمية بالحقوق والحريات التي تروج لها في المحافل الدولية بينما تنتهكها في الداخل.
وتتحول قصص هؤلاء النشطاء اليوم إلى نموذج حي لنقاش أوسع داخل المجتمع الألماني حول الحدود الفاصلة بين تطبيق قوانين الهجرة وبين القمع السياسي الممنهج. وفي ظل استمرار الحرب، يبدو أن المواجهة بين السلطات والمتضامنين مرشحة للتصاعد، مما يضع سمعة ألمانيا الحقوقية على المحك أمام الرأي العام العالمي.





شارك برأيك
نشطاء أجانب في ألمانيا يواجهون الترحيل بسبب تضامنهم مع فلسطين