د. أحمد الطيبي: يجب التعامل مع الجريمة باعتبارها قضية عامة لا تخص عرب الداخل وحدهم مع ضرورة إطلاق خطة حكومية شاملة لمحاربتها
راوية حندقلو: استمرار الوضع الحالي يهدد صمود المجتمع العربي في الداخل ومواجهة الجريمة معركة تتعلق بالحفاظ على وجوده ومستقبله
د. سامي أبو شحادة: الجريمة في المجتمع العربي بالداخل مشروع سياسي إسرائيلي وتختلف عن نماذج الجريمة في دول أخرى لأنها لا تشمل جميع السكان
جعفر فرح: استمرار هذه الأوضاع يهدف إلى إضعاف المجتمع الفلسطيني ودفعه نحو اليأس والهجرة عبر تكريس الفوضى وحصرها بالبلدات العربية
د. سهيل دياب: تسييس الجريمة بلغ مستويات أكبر بعد السابع من أكتوبر ويجري التغاضي عن تمددها لتقويض الحضور السياسي والوطني لفلسطينيي الداخل
حبيب مخول: أكثر من 90% من جرائم القتل بقيت دون كشف مرتكبيها ما يبعث برسالة إلى المجرمين بإمكانية الإفلات من العقاب والتشجيع على الاستمرار..
رام الله – خاص بـ"القدس"-
تشهد البلدات العربية في الداخل تصاعداً غير مسبوق في الجريمة المنظمة وجرائم القتل، وسط تحذيرات من تحولها إلى أزمة أمنية واجتماعية وسياسية تهدد استقرار المجتمع ومستقبله.
وتجمع تقديرات أعضاء كنيست وشخصيات سياسية وأكاديمية وحقوقية وبحثية في أحاديث منفصلة مع "ے" على أن استمرار ارتفاع أعداد الضحايا واتساع نفوذ عصابات الجريمة يشير بأصابع الاتهام للحكومة الإسرائيلية بالتقصير أو التغاضي عن تفاقم الظاهرة، لتتجاوز الأزمة كونها قضية جنائية تهدد المجتمع بأكمله، ولتصبح ملفاً يرتبط بالتمييز والسياسات الرسمية.
ويؤكدون أن معالجة الظاهرة تتطلب إرادة سياسية حقيقية، وخطة حكومية شاملة تستهدف تفكيك منظمات الجريمة، ورفع نسب كشف الجرائم، وجمع السلاح غير القانوني، بالتوازي مع الاستثمار في التعليم والتنمية، ودعم السلطات العربية المحلية، وتعزيز المبادرات المجتمعية ولجان الإصلاح، وتوفير برامج لحماية الشباب من الانخراط في عالم الجريمة.
نزيف يهدد أمن المجتمع واستقراره
يحذر عضو الكنيست ورئيس الحركة العربية للتغيير د.أحمد الطيبي من استمرار تصاعد الجريمة المنظمة في الداخل، معتبراً أن ما تشهده البلدات العربية لم يعد مجرد ارتفاع في معدلات الجريمة، بل تحول إلى "كارثة حقيقية" ونزيف يومي يهدد أمن المجتمع واستقراره، في ظل انتشار عصابات الإجرام والسلاح غير المرخص، واستمرار تراجع الشعور بالأمن الشخصي لدى المواطنين.
ويؤكد الطيبي أن المعطيات تعكس خطورة غير مسبوقة، مشيراً إلى أن عام 2025، كان الأكثر دموية على الإطلاق، بعدما بلغ عدد ضحايا جرائم القتل في المجتمع العربي 252 قتيلاً، وهو رقم قياسي يمثل الغالبية الساحقة من ضحايا جرائم القتل في إسرائيل.
عام 2026.. تصاعد مقلق
ويشير الطيبي إلى أن عام 2026 بدأ بدوره بوتيرة مقلقة، مع استمرار سقوط الضحايا بصورة شبه يومية، الأمر الذي يؤكد أن الأزمة تتفاقم من دون وجود معالجة حكومية حقيقية.
ويشدد الطيبي على أن أحدى أخطر الإشكالات يتمثل في انخفاض نسبة كشف جرائم القتل داخل المجتمع العربي، والتي لا تتجاوز في كثير من الحالات ما بين 10 و13 بالمئة، مقارنة بنسب أعلى بكثير في المجتمع اليهودي، معتبراً أن هذه الفجوة تعزز شعور الجناة بإمكانية الإفلات من العقاب، وتؤدي إلى استمرار دائرة العنف وسفك الدماء في ظل غياب الردع الفعلي.
تغاضٍ حكومي رسمي
ويُحمّل الطيبي الحكومة الإسرائيلية، وخصوصاً وزارة الأمن القومي والشرطة ووزيرها إيتمار بن غفير، مسؤولية تفاقم الأوضاع، متهماً إياها بالتقاعس والفشل في مواجهة منظمات الجريمة.
ويؤكد الطيبي أن الحكومة تجاهلت التحذيرات المتكررة التي طُرحت داخل الكنيست، رغم تقديم عشرات الاقتراحات البرلمانية وعقد جلسات ولجان لمناقشة الظاهرة، معتبراً أن الشرطة باتت منشغلة بملاحقة المواطنين العرب عبر هدم المنازل والاعتقالات، بدلاً من توجيه جهودها نحو مكافحة منظمات الإجرام وتفكيكها.
ويدعو الطيبي إلى التعامل مع الجريمة في المجتمع العربي باعتبارها قضية عامة وليست شأناً يخص المواطنين العرب وحدهم، مطالباً بإطلاق خطة حكومية شاملة لمعالجة ذلك، تتضمن جمع السلاح غير المرخص بصورة فعلية بعيداً عن الحملات الإعلامية، وتفكيك منظمات الجريمة، وتعزيز وحدات التحقيق لرفع نسبة كشف جرائم القتل، إلى جانب مكافحة جرائم الابتزاز وفرض "الخاوة"، وتوفير الحماية لأصحاب المصالح والشهود.
أهمية معالجة الجريمة من جذورها
ويشدد الطيبي على أهمية معالجة الجريمة من جذورها الاجتماعية والاقتصادية، من خلال الاستثمار في التربية والتعليم، وتوسيع الأطر المخصصة للشباب، والحد من التسرب المدرسي، وإقامة مشاريع للتشغيل والتنمية الاقتصادية في البلدات العربية، إضافة إلى إشراك السلطات المحلية والقيادات المجتمعية ولجان الصلح في تنفيذ خطة قطرية متكاملة.
ويؤكد أن الحركة العربية للتغيير ولجنة المتابعة طالبتا مراراً بجمع السلاح المنفلت وزيادة الميزانيات المخصصة للمجتمع العربي، مشدداً على أن حماية حياة المواطنين مسؤولية الدولة دون تمييز، وأن الدم العربي ليس أقل قيمة من غيره.
ويعتبر الطيبي أن تغيير الواقع يتطلب تغيير الحكومة الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير عبر صناديق الاقتراع، مشدداً على أن ذلك واجب مدني ووطني، ومؤكداً استمرار النضال السياسي والبرلماني والجماهيري حتى يشعر كل مواطن عربي بالأمن في بيته وشارعه وبلدته.
تغلغل منظمات الجريمة واتساع نفوذها
تحذر مديرة مركز "إيلاف" لتعزيز الأمان في المجتمع العربي، المحامية راوية حندقلو، من أن تصاعد الجريمة المنظمة في المجتمع العربي في الداخل تجاوز كونه أزمة جنائية ليصبح تهديداً وجودياً يمس مختلف مناحي الحياة، مؤكدة أن استمرار ارتفاع أعداد الضحايا يعكس تغلغل منظمات الجريمة واتساع نفوذها، في ظل غياب دور الدولة وتراجع منظومة الحماية الرسمية، الأمر الذي أدى إلى تطبيع خطير مع مشاهد العنف والقتل.
وتوضح أن وتيرة جرائم القتل تشهد ارتفاعاً مستمراً منذ سنوات، إلا أنها تضاعفت بصورة لافتة منذ عام 2023، عقب تولي الحكومة الحالية مهامها، مشيرة إلى أن جميع أشهر العام الحالي سجلت معدلات مرتفعة من جرائم القتل، حيث شهد بعضها سقوط ضحية بشكل شبه يومي.
وتؤكد حندقلو أن المعطيات تشير إلى تسجيل 155 جريمة قتل في المجتمع العربي منذ مطلع العام الجاري، بمعدل جريمة قتل يومياً تقريباً، بعد أن شهد عام 2025 مقتل 259 شخصاً، وهو ما يعكس تصاعداً مستمراً في مستوى العنف وقسوة الجرائم.
جرائم يومية
وتوضح حندقلو أن عدد القتلى لا يمثل سوى "رأس جبل الجليد"، لأن الواقع اليومي يشمل إطلاق نار متكرراً، ومئات الجرحى، وتهديدات مستمرة، وجرائم ابتزاز وفرض إتاوات على أصحاب المصالح والأفراد، إضافة إلى سيطرة منظمات الجريمة على الأراضي والعقارات عبر التهديد والترهيب، في ظل غياب الحماية القانونية والأمنية الفاعلة.
وتشير إلى أن هذه المنظمات باتت تتغلغل في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، ولم تعد تقتصر على أنشطة إجرامية تقليدية.
وتؤكد حندقلو أن الجريمة لم تعد تستهدف فئة بعينها، بل أصبحت تمس جميع دوائر المجتمع، بما في ذلك رؤساء سلطات محلية وأعضاء مجالس بلدية، إلى جانب مواطنين لا تربطهم أي صلة مباشرة بالصراعات الإجرامية، لكنهم يسقطون ضحايا نتيجة وجودهم بالقرب من الأشخاص المستهدفين أو بهدف ممارسة الضغوط والتهديد على آخرين.
عمل منظم للعصابات وتداعيات عميقة
وترفض حندقلو الرواية التي تروجها الشرطة الإسرائيلية بأن الجرائم تعود إلى "نزاعات عائلية" أو "ثقافة مجتمعية"، مؤكدة أن ما يجري هو نشاط منظم لعصابات تعمل بأساليب المافيا، وتتداخل مع المصالح الاقتصادية وتؤثر في الحياة الاجتماعية والسياسية.
وتشير إلى أن المجتمع العربي يواجه كذلك تداعيات اجتماعية عميقة، من بينها وجود أكثر من 2400 طفل يتيم نتيجة جرائم القتل خلال العقد الأخير، فضلاً عن مئات المصابين الذين تحولوا إلى أشخاص من ذوي الإعاقة دون حصولهم على خدمات كافية، إضافة إلى عائلات كاملة اضطرت إلى تغيير نمط حياتها أو مغادرة بلداتها تحت وطأة التهديد إلى مناطق أخرى بينها بلدات يهودية.
غياب الإرادة السياسية لمعالجة الجريمة
وتحمل حندقلو الحكومة الإسرائيلية مسؤولية تفاقم الأزمة، معتبرة أن غياب الإرادة السياسية لمعالجة الجريمة، إلى جانب تقليص الميزانيات المخصصة للسلطات المحلية العربية، وربط الجريمة بقضايا الإرهاب، كلها عوامل ساهمت في اتساع دائرة العنف، متهمة الحكومة باستغلال حالة الفوضى والتحريض ضد المواطنين العرب، معتبرة أن الجريمة أصبحت أداة لتفكيك المجتمع العربي وإضعافه.
وتدعو إلى إحداث تغيير سياسي عبر التصويت بالانتخابات يفضي إلى تشكيل حكومة جديدة تتبنى خطة واضحة وشاملة لمكافحة الجريمة المنظمة، تتضمن سياسات عملية وأهدافاً محددة، مع الفصل الكامل بين الجريمة المنظمة وقضايا الإرهاب.
أهمية الدور المجتمعي
وتشدد حندقلو على أهمية تعزيز الحراك المجتمعي ورفض منح أي شرعية أو مساحة اجتماعية لرموز الجريمة، محذرة من محاولات تبييض صورة المجرمين عبر النشاطات العامة أو الاقتصادية أو الاجتماعية.
وتؤكد أن مسؤولية توفير الأمن تقع أولاً على عاتق الدولة، لكنها تشدد في الوقت نفسه على أهمية دور القيادات المجتمعية في رفع الوعي بخطورة الاقتصاد الإجرامي، وكشف الترابط بين الأنشطة التجارية غير المشروعة ومنظمات الجريمة.
وتشدد حندقلو على أن استمرار الوضع الحالي يهدد صمود المجتمع العربي، ويدفع بالكفاءات والعائلات إلى الهجرة الداخلية والخارجية، معتبرة أن مواجهة الجريمة لم تعد قضية جنائية فحسب، بل معركة تتعلق بالحفاظ على وجود المجتمع ومستقبله.
الجريمة مشروع سياسي إسرائيلي
يعتبر رئيس التجمع الوطني الديمقراطي د.سامي أبو شحادة أن تصاعد الجريمة المنظمة في المجتمع العربي في الداخل يمثل جزءاً من مشروع سياسي تقوده الحكومة الإسرائيلية، متهماً الدولة برعاية عصابات الإجرام وتركها تتوسع داخل البلدات العربية بهدف إضعاف المجتمع الفلسطيني في الداخل وتفكيكه.
ويرى أن ما يجري هو "إرهاب دولة"، معتبراً أن إسرائيل، بما تمتلكه من أجهزة أمنية واستخبارية متعددة، قادرة على الوصول إلى المجرمين وملاحقتهم متى توفرت الإرادة السياسية، مشيراً إلى أنها تثبت ذلك عندما يتعلق الأمر بتوفير الأمن للمجتمع اليهودي.
ويشير أبو شحادة إلى أن الدولة اختارت انتهاج سياسة مختلفة تجاه المواطنين الفلسطينيين في الداخل، تقوم على ترك الجريمة المنظمة تتفاقم، بما يجعل المجتمع العربي من أكثر المجتمعات تعرضاً للعنف والجريمة.
تشجيع فلسطينيي الداخل على الهجرة
ويرى أبو شحادة أن لهذه السياسة أهدافاً سياسية تتجاوز البعد الأمني، تتمثل في تشجيع الفلسطينيين في الداخل على الهجرة، وزرع اليأس والإحباط بينهم، وتقويض قدرتهم على التنظيم السياسي والعمل الجماعي، معتبراً أن استمرار هذه الأوضاع ليس نتيجة عجز مؤسسات الدولة، وإنما انعكاس لسياسة مقصودة.
ويؤكد أن معالجة الأزمة لا تبدأ بإجراءات أمنية أو بتشديد العقوبات، وإنما تتطلب تغييراً سياسياً يتمثل في إسقاط الحكومة الحالية وعدم عودتها إلى الحكم، محملاً إياها المسؤولية عن السياسات التي تستهدف الفلسطينيين في الداخل، إلى جانب الإبادة التي ارتكبتها في قطاع غزة وما تقوم به من جرائم في الضفة الغربية والقدس.
ويشير أبو شحادة إلى أن المشكلة لا تقتصر على وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، رغم أنه "وزير إرهابي وفاشي"، بل تمتد إلى مجمل الائتلاف الحاكم، الذي يمنحه الشرعية السياسية ويواصل دعمه داخل الكنيست.
ويشدد أبو شحادة على أن الجريمة المنظمة في المجتمع العربي هي مشروع سياسي، وتختلف عن نماذج الجريمة في دول أخرى، لأنها ليست نتاجاً للفقر أو أزمة عامة تشمل جميع السكان، موضحاً أن نحو 80% من سكان إسرائيل، وهم المجتمع اليهودي، يعيشون في بيئة توفر لهم الدولة فيها الأمن والأمان، بينما يترك المجتمع الفلسطيني، الذي يشكل نحو 20% من السكان، يواجه الجريمة المنظمة بصورة متواصلة.
تحول المجتمع الإسرائيلي نحو الفاشية
ويعتبر أبو شحادة أن هذا التفاوت لا يمكن فهمه إلا من خلال قراءة سياسية لطبيعة تعامل الدولة مع المواطنين الفلسطينيين.
ويؤكد أن المجتمع الإسرائيلي شهد خلال العقدين الأخيرين تحولاً متسارعاً نحو اليمين واليمين الفاشي، معتبراً أن هذا التحول انعكس في تصاعد السياسات العنصرية، وفي التعامل مع الفلسطينيين في الداخل باعتبارهم أعداء لا مواطنين.
جهات تغذي صراع عصابات الإجرام
يؤكد مدير مركز مساواة، جعفر فرح، أن التصاعد المستمر للجريمة المنظمة في المجتمع الفلسطيني الداخل لا يمكن فصله عن وجود جهات تغذي الصراع بين عصابات الإجرام، معتبراً أن حالة العنف المتفاقمة تعكس وجود منظومة متكاملة تتيح لهذه العصابات توسيع نفوذها واستمرار نشاطها، في ظل تعاون بين أجهزة أمنية إسرائيلية وعصابات الجريمة.
ويوضح فرح أن توسع نشاط العصابات يرتبط بتدفق السلاح الذي يتم تهريبه، إلى جانب غض الطرف عن نشاط أفراد هذه العصابات، الأمر الذي يسمح باستمرار المواجهات الدامية بينها.
ويشير فرح إلى أن الضحايا هم في الغالب من فئة الشباب، الذين يدفعون يومياً ثمن الصراعات المتواصلة، في ظل انتشار اقتصاد موازٍ يقوم على السوق السوداء للأموال، والاتجار بالسلاح والمخدرات، معتبراً أن هذه المنظومة تسهم في خلق حالة من الإحباط واليأس داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل.
دائرة متواصلة من العنف
ويشير فرح إلى أن كل جريمة قتل تقود إلى عمليات انتقام جديدة، ما يكرس دائرة متواصلة من العنف يصعب وقفها، لافتاً إلى أن الحل الحقيقي يبدأ بإنجاز مصالحة مجتمعية واسعة، إلا أن هناك من يعمل على إفشال أي محاولات للصلح، بل ويؤجج الخلافات ويقوض السلم الأهلي عبر توفير السلاح للأطراف المتنازعة، حتى عندما تكون الخلافات محلية أو عائلية أو مرتبطة بقضايا بسيطة مثل النزاعات على الأراضي، وهو ما يؤدي إلى تحويلها إلى صراعات مسلحة أكثر تعقيداً ويجعل تسويتها أكثر صعوبة.
أهمية المعالجة الشاملة
ويؤكد فرح أن مواجهة الظاهرة يجب ألا تقتصر على تشديد الإجراءات الأمنية أو توسيع دائرة الاعتقالات، وإنما تتطلب معالجة شاملة تشمل تنظيم الأموال المتداولة في السوق السوداء، ومكافحة عمليات غسل الأموال وتمويل العصابات، إلى جانب معالجة ظاهرة التسرب بين الشباب، وتوفير برامج وأطر متخصصة لإعادة تأهيل الشباب المعرضين للانخراط في الجريمة وإخراجهم من دائرتها.
ويشدد فرح على ضرورة التمييز بين عناصر العصابات وقياداتها، معتبراً أن الجهود يجب أن تركز على ملاحقة رؤوس منظمات الإجرام وإيداعهم السجون، بالتوازي مع تبني برامج اجتماعية تعالج أوضاع الشباب الجانحين وتوفر لهم بدائل حقيقية، بدلاً من الاكتفاء بإدخال أعداد كبيرة منهم إلى السجون.
إضعاف المجتمع الفلسطيني في الداخل
ويلفت فرح إلى أن استمرار هذه الأوضاع يهدف إلى إضعاف المجتمع الفلسطيني في الداخل ودفعه نحو اليأس والهجرة، عبر تكريس حالة من الفوضى التي تبقى محصورة داخل البلدات العربية، في حين يجري منع امتدادها إلى المجتمع اليهودي، الأمر الذي يجعل استعادة الأمن والاستقرار ضرورة لحماية مقومات الحياة وتعزيز صمود المجتمع.
أزمة سياسية وأمنية ومجتمعية مركبة
يؤكد أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الإسرائيلي د.سهيل دياب أن موجة الجريمة المتصاعدة في البلدات العربية في الداخل لم تعد تمثل ظاهرة جنائية عادية، بل تحولت إلى أزمة سياسية وأمنية ومجتمعية مركبة، معتبراً أن الجريمة تُستغل لتحقيق أهداف سياسية، إلى جانب كونها نتاجاً لانتشار الجريمة المنظمة والسلاح غير القانوني وتراجع دور مؤسسات إنفاذ القانون.
ويوضح أن المعطيات المتوفرة تشير إلى تصاعد غير مسبوق في جرائم القتل خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد الضحايا من 109 قتلى عام 2022 إلى 220 قتيلاً عام 2024، ثم بلغ 252 قتيلاً خلال عام 2025، وهو أعلى رقم يسجل تاريخياً في المجتمع العربي بالداخل.
ويوضح دياب أن العرب يشكلون نحو 21% من سكان إسرائيل، إلا أن نسبتهم من ضحايا جرائم القتل تجاوزت 70% من إجمالي الضحايا في بعض السنوات، ما يعكس حجم الأزمة التي يعيشها المجتمع العربي.
انتشار واسع للجريمة بالأسلحة النارية
ويشير دياب إلى أن غالبية جرائم القتل تُنفذ باستخدام الأسلحة النارية، لافتاً إلى تقديرات تتحدث عن وجود نحو نصف مليون قطعة سلاح غير قانونية داخل إسرائيل، تستخدم في جرائم القتل والابتزاز وفرض الإتاوات والاتجار بالسلاح.
ويؤكد دياب أن قدرة السلطات على الحد من انتشار هذه الأسلحة قائمة إذا توفرت الإرادة، معتبراً أن استمرار انتشارها يسهم بصورة مباشرة في اتساع نفوذ الجريمة المنظمة.
ضعف إنفاذ القانون
ويوضح دياب أن ضعف إنفاذ القانون يمثل أحد أبرز أسباب تفاقم الأزمة، موضحاً أن نحو 78% من جرائم القتل في المجتمع العربي تبقى دون كشف مرتكبيها، بينما تصل نسبة الكشف في المجتمع اليهودي إلى نحو 92%، وهو تفاوت قال إنه يعكس خللاً واضحاً في التعامل مع الجريمة داخل البلدات العربية ويضعف عامل الردع.
ويعزو دياب تصاعد الجريمة إلى مجموعة عوامل متداخلة، تشمل انتشار السلاح غير المرخص، وتدني نسب كشف الجرائم، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية المزمنة، وارتفاع معدلات البطالة والفقر والتهميش، ولا سيما بين فئة الشباب، إضافة إلى غياب الأطر التعليمية والوقائية المناسبة، وتراجع الثقة بين المواطنين العرب ومؤسسات الدولة.
ويرى دياب أن العامل الأبرز يتمثل في "تسييس الجريمة"، معتبراً أن هذا المسار تصاعد منذ عام 2021، وبلغ مستويات أكبر بعد السابع من أكتوبر 2023، إذ يجري التغاضي عن تمدد الجريمة المنظمة بهدف إضعاف المجتمع الفلسطيني في الداخل وتقويض حضوره السياسي والوطني، في وقت تُطرح فيه الجريمة باعتبارها مشكلة ثقافية مرتبطة بالعرب، وهو توصيف مرفوض، مؤكداً أن المقارنة مع الفلسطينيين في الضفة الغربية والأردن تنفي هذا الادعاء، إذ تبلغ معدلات القتل هناك مستويات أقل بكثير، رغم الانتماء المجتمعي ذاته.
ارتباط بعالم الجريمة في المجتمع الإسرائيلي
ويشير دياب إلى أن خطورة الجريمة المنظمة لا تقتصر على نشاطها داخل المجتمع العربي، بل تمتد إلى ارتباطاتها بعالم الجريمة في المجتمع الإسرائيلي، لافتاً إلى وجود علاقات وتقاطعات كشفتها تحقيقات وتقارير مع أوساط داخل أجهزة أمنية إسرائيلية، إلى جانب وجود مصالح متبادلة واستفادة سياسية من هذه الشبكات.
ويدعو دياب إلى اعتماد خطة شاملة متعددة المستويات لمعالجة الأزمة، تبدأ بجمع السلاح غير المرخص بصورة منهجية، ورفع نسب كشف جرائم القتل ومحاسبة الجناة، بالتوازي مع تعزيز الاستثمار في التعليم والبنية التحتية وفرص العمل.
ويشدد دياب على أهمية دور السلطات المحلية العربية في قيادة المبادرات المجتمعية، وتنظيم فعاليات مناهضة للعنف، وتوفير برامج للشباب تحصنهم من الوقوع في براثن الجريمة المنظمة، مؤكداً أن معالجة الظاهرة تتطلب حلولاً مؤسسية وسياسات حكومية واضحة، إلى جانب تعزيز الحصانة المجتمعية وعدم الاكتفاء بالمعالجات الأمنية التقليدية.
واقع غير مسبوق من العنف
يشدد حبيب مخول، وهو مساعد باحث في مركز مدى الكرمل، على أن تصاعد الجريمة المنظمة في الداخل لا يمكن تفسيره بسبب واحد، بل هو نتيجة تداخل عوامل سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية، معتبراً أن ما يجري أفرز واقعاً غير مسبوق من العنف، في ظل استمرار تراجع دور الشرطة الإسرائيلية في تطبيق القانون، وغياب الردع الحقيقي، وتبني الدولة سياسات تعامل الفلسطينيين في الداخل باعتبارهم "أعداء" أكثر من كونهم مواطنين.
ويوضح مخول أن أبسط نظريات علم الجريمة، القائمة على الردع وحتمية العقاب، تكشف جانباً مهماً من الأزمة، إذ إن المشكلة لا تكمن في وجود عقوبات قانونية، وإنما في انخفاض احتمالات القبض على مرتكبي الجرائم.
انخفاض حاد بنسبة حل ملفات جرائم القتل
ويشير مخول إلى أن نسبة حل ملفات جرائم القتل خلال عام 2025، انخفضت إلى أقل من 10%، ما يعني أن أكثر من 90% من جرائم القتل بقيت دون كشف مرتكبيها، الأمر الذي يبعث برسالة إلى المجرمين بإمكانية الإفلات من العقاب ويشجع على استمرار الجرائم.
ويوضح أن هذا الواقع يثبت، وفق نتائج ورقة بحثية أصدرها مركز مدى الكرمل، أن التوسع في بناء مراكز الشرطة داخل البلدات العربية لم ينعكس على رفع نسب كشف الجرائم أو الحد من العنف، ما يدل على أن المشكلة لا تتعلق بنقص البنية الأمنية، وإنما بطريقة تعامل أجهزة إنفاذ القانون مع المجتمع العربي.
ادعاءات مرفوضة حول الثقافة العربية
ويرفض مخول الادعاءات التي تربط ارتفاع الجريمة بما يسمى "الثقافة العربية" أو النزاعات التقليدية، مؤكداً أن المقارنة مع الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس تنسف هذه الرواية، إذ إن المجتمع واحد، بينما تختلف معدلات جرائم القتل بصورة كبيرة.
ويوضح أن السلطة الفلسطينية تتعامل مع جرائم القتل باعتبارها قضية أمنية تستوجب التدخل، في حين تتبنى الشرطة الإسرائيلية سياسة إهمال تجاه البلدات العربية، ولا تتحرك إلا عندما تمتد الجريمة إلى المجتمع اليهودي أو تمس مصالح الدولة.
تراجع أداء الشرطة ودورها
ويشير مخول إلى أن هذه السياسة تندرج ضمن ما يعرف بمفهوم "ضعف تقديم الخدمات الشرطية"، حيث تتراجع الشرطة عن أداء دورها في حماية المواطنين، وتترك منظمات الجريمة تتوسع داخل المجتمع العربي، قبل أن تتدخل فقط عند المساس بمراكز النفوذ أو الشخصيات المؤثرة أو خلال أحداث استثنائية، كما حدث في بعض الاعتداءات التي استهدفت مرشحين في الانتخابات المحلية.
ويؤكد مخول أن معالجة الأزمة مسؤولية الدولة بالدرجة الأولى، باعتبارها الجهة التي تحتكر استخدام القوة وتمتلك الإمكانات القانونية والأمنية لمواجهة الجريمة المنظمة، منتقداً المقترحات التي تركز على توسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية أو إشراك جهاز الشاباك أو تصنيف العصابات كمنظمات إرهابية، معتبراً أنها حلول أمنية لا تعالج جذور المشكلة.
ويستشهد مخول بتجربة إسرائيل في مكافحة منظمات الجريمة داخل المجتمع اليهودي بين عامي 2003 و2005، حين نجحت، بعد اتخاذ قرار سياسي واضح، في تفكيك أبرز العصابات الإجرامية خلال سنوات قليلة، مؤكداً أن امتلاك الدولة لهذه القدرة يثبت أن استمرار انتشار الجريمة في البلدات العربية ليس نتيجة عجز، بل غياب إرادة سياسية.
تعزيز دور المجتمع المدني والهيئات المحلية
ويدعو مخول إلى تعزيز دور المجتمع المدني والهيئات المحلية في الحد من الظاهرة، عبر توفير أطر للشباب، وتعزيز الأنشطة الرياضية والتربوية، وتوسيع مبادرات الوساطة والإصلاح، والضغط الشعبي والاقتصادي على الحكومة لاتخاذ خطوات عملية.
وينتقد مخول إغلاق السلطات الإسرائيلية لجنة "إفشاء السلام" في أم الفحم، رغم نجاحها، بحسب معطياتها، في حل أكثر من 1500 نزاع خلال خمس سنوات، معتبراً أن ذلك يعكس إعاقة المبادرات المجتمعية بدلاً من دعمها.
تحذيرات من تفكك المجتمع
ويؤكد مخول أن المجتمع العربي يعيش مرحلة انتقالية فقد خلالها كثيراً من آلياته التقليدية في حل النزاعات، دون أن توفر الدولة مؤسسات حديثة قادرة على ملء هذا الفراغ، محذراً من أن استمرار التهميش الاقتصادي والاجتماعي والتعامل الأمني مع الفلسطينيين في الداخل سيؤدي إلى مزيد من التفكك المجتمعي، ما لم يقترن ذلك بقرار سياسي يضمن المساواة وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز، فيما يحذر أهالي القدس من إمكانية انتقال الجريمة هناك، ما يتطلب التمسك بالبنية المجتمعية التقليدية لحل الإشكالات.
فلسطين
الثّلاثاء 07 يوليو 2026 10:01 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
الجريمة بالداخل... حربٌ منظمة تحت رعاية الدولة!