أقلام وأراء

الإثنين 29 يونيو 2026 8:50 مساءً - بتوقيت القدس

من التجارة والرباط إلى المصاهرة والاستقرار …. الخلايلة في القدس حكاية هجرة صنعت جزءًا من هوية المدينة

بقلم: الصحفي أحمد عثمان جلاجل


عندما يُذكر المجتمع المقدسي، يبرز اسم “الخلايلة” بوصفهم أحد أهم مكونات النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمدينة. غير أن وجودهم في القدس لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مسار تاريخي امتد لقرون، تعزز مع التحولات السياسية التي شهدتها فلسطين أواخر العهد العثماني وبدايات الانتداب البريطاني.

ترتبط العلاقة بين الخليل والقدس بعوامل دينية وجغرافية واقتصادية؛ فالمدينتان تمثلان مركزين روحيين مهمين، والمسافة القصيرة بينهما جعلت حركة التجارة والتنقل مستمرة عبر التاريخ. لذلك استقرت عائلات خليلية كثيرة في القدس، ولا سيما داخل البلدة القديمة وحول أسواقها.

لكن المرحلة المفصلية جاءت في عشرينيات القرن الماضي، عندما تصاعدت الهجرة اليهودية إلى فلسطين وبدأت المخاوف من تغيير الواقع الديمغرافي في القدس. وتشير دراسات تاريخية إلى أن الحاج أمين الحسيني، مفتي القدس ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى، شجع عائلات خليلية على الانتقال إلى القدس والسكن فيها، تعزيزًا للوجود العربي والإسلامي في المدينة ودعمًا لصمود أهلها. ولم تكن تلك الدعوة مجرد انتقال سكاني، بل حملت بعدًا وطنيًا واستراتيجيًا في ظل ظروف سياسية معقدة.

ولم يقتصر حضور أبناء الخليل على السكن، بل أصبحوا من أبرز التجار وأصحاب الحرف والمهن، وأسهموا في ازدهار أسواق القدس، كما برز منهم رجال دين، ومربون، وشخصيات وطنية كان لها دور في الدفاع عن المدينة خلال مختلف المراحل التاريخية.

ومع مرور الزمن، اندمجت العائلات الخليلية مع العائلات المقدسية عبر المصاهرة والعمل والمشاركة في الحياة العامة، حتى أصبح من الصعب الفصل بين “المقدسي” و”الخليلي”، إذ بات الجميع يشكلون نسيجًا اجتماعيًا واحدًا يجمعه الانتماء إلى القدس.

ويشير باحثون إلى أن أبناء العائلات الخليلية يشكلون اليوم كتلة سكانية كبيرة ومؤثرة داخل القدس، إلا أن حجمها الدقيق يختلف بين الدراسات ولا توجد إحصاءات رسمية حديثة تحسم النسبة بشكل قاطع، لذلك يبقى الأهم هو أثرهم التاريخي والاجتماعي والاقتصادي في المدينة، أكثر من التركيز على الأرقام.


لقد أثبتت التجربة أن وجود الخلايلة في القدس لم يكن مجرد هجرة بحثًا عن الرزق، بل كان جزءًا من معركة الحفاظ على هوية المدينة العربية والإسلامية. وما زال هذا الحضور يمثل أحد أعمدة الصمود المقدسي في مواجهة محاولات تغيير الواقع الديمغرافي والثقافي للقدس.

دلالات

شارك برأيك

من التجارة والرباط إلى المصاهرة والاستقرار …. الخلايلة في القدس حكاية هجرة صنعت جزءًا من هوية المدينة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.