أعربت الجزائر عن أسفها الشديد تجاه تقرير الأمم المتحدة الخاص بالألغام المضادة للأفراد، معتبرة أنه لم يمنح الاهتمام الكافي للآثار المستمرة التي خلفتها الألغام الموروثة عن الحقبة الاستعمارية الفرنسية. وأكدت البعثة الجزائرية في جنيف أن هذه القضية لا تزال تمس حقوق آلاف الضحايا، وتفرض نفسها كجزء أساسي من مسار الدفاع عن الذاكرة الوطنية وتحقيق العدالة التاريخية الغائبة.
جاءت هذه الانتقادات على لسان السفير إدريس لطرش، مندوب الجزائر لدى مجلس حقوق الإنسان، خلال جلسة حوار تفاعلي خصصت لمناقشة أثر الألغام على التمتع بحقوق الإنسان. وشدد لطرش في كلمته على أن الموقف الجزائري لا ينطلق من تنظير سياسي، بل يستند إلى معاناة واقعية وتجربة مريرة عاشتها البلاد منذ نيل استقلالها عام 1962، حيث لا تزال التبعات الإنسانية والاجتماعية حاضرة في وجدان الشعب.
وأوضح المندوب الجزائري أن الألغام التي زرعها الجيش الفرنسي لم تكن مجرد عوائق عسكرية، بل كانت أدوات لانتهاك الحقوق الأساسية مثل الحق في الحياة والصحة والتنقل. وأشار إلى أن هذه المخلفات تسببت في تعطيل مسارات التنمية في مناطق شاسعة، مما يستوجب معالجة الملف وفق مقاربة حقوقية شاملة تتجاوز الجوانب التقنية لإزالة الألغام إلى جبر ضرر الضحايا.
وكشفت المصادر الرسمية أن الجزائر واجهت عقب استقلالها إرثاً ثقيلاً يتمثل في أكثر من 11 مليون لغم مضاد للأفراد، زرعت بكثافة عالية على طول الحدود الشرقية والغربية. وتعتبر هذه العملية واحدة من أكبر عمليات تلويث الأراضي بالألغام في القرن العشرين، حيث هدفت فرنسا من خلالها إلى عزل الثورة الجزائرية عن عمقها العربي في تونس والمغرب.
ورغم أن الجزائر نجحت في تطهير كامل أراضيها من هذه الآفة بالاعتماد على قدراتها الوطنية الذاتية، إلا أن السفير لطرش أكد أن النجاح التقني لا يعني نهاية المأساة. فالمعاناة لا تزال مستمرة في قصص الناجين وأسر الضحايا الذين فقدوا أطرافهم أو مصادر رزقهم، وهو ما يتطلب إبقاء حقوقهم في صدارة الجهود الدولية الرامية للقضاء على الألغام.
وفي سياق متصل، قادت الجزائر تحركاً دبلوماسياً واسعاً داخل المجلس، حيث ألقت بياناً مشتركاً باسم أكثر من سبعين دولة، طالبت فيه بتعزيز آليات حماية الضحايا. ودعا البيان المجتمع الدولي إلى ضمان حصول المجتمعات المتضررة على الدعم اللازم لإعادة الإدماج، مما يعكس الثقل الذي تكتسبه التجربة الجزائرية في هذا المجال الإنساني المعقد.
وتعود جذور هذه المأساة إلى لجوء السلطات الاستعمارية خلال حرب التحرير إلى إقامة ما عرف بخطي 'موريس' و'شال' الدفاعيين ابتداءً من عام 1956. وقد أحيطت هذه الخطوط بملايين الألغام والأسلاك الشائكة المكهربة، مما حول مساحات زراعية ورعوية شاسعة إلى مناطق موت محقق استمرت في حصد الأرواح لعقود طويلة بعد رحيل الاستعمار.
مقاربة الجزائر في ملف الألغام تستند إلى تجربة وطنية مريرة، حيث زرع الاستعمار أكثر من 11 مليون لغم انتهكت الحق في الحياة والتنمية لعقود.
وتركزت النسبة الأكبر من الضحايا في الولايات الحدودية مثل الطارف وسوق أهراس شرقاً، وتلمسان والنعامة غرباً، حيث كان الفلاحون والرعاة هم الفئة الأكثر عرضة للانفجارات. وتشير الإحصائيات الرسمية إلى سقوط نحو 7300 ضحية، من بينهم آلاف القتلى والمعاقين الذين تغيرت حياتهم بشكل جذري نتيجة هذه الجرائم الموقوتة التي تركتها فرنسا خلفها.
وانتقدت مصادر جزائرية الموقف الفرنسي الذي اتسم بالتردد لسنوات طويلة في تسليم الخرائط الكاملة لمواقع الألغام، مما ضاعف من كلفة التطهير البشرية والمادية. وقد تحملت الدولة الجزائرية بمفردها أعباء علاج الضحايا وتوفير الأطراف الاصطناعية والرعاية الاجتماعية، في ظل غياب أي تحمل للمسؤولية من طرف الدولة المستعمرة السابقة.
وتؤكد السلطات في الجزائر أن ملف الألغام لن يطوى بمجرد تنظيف الأرض، بل يظل مرتبطاً بضرورة الاعتراف الفرنسي بالمسؤولية التاريخية والقانونية عن هذه الأضرار. وتعتبر الجزائر أن ما حدث يندرج ضمن جرائم الدولة التي لا تسقط بالتقادم، خاصة وأن آثارها الاقتصادية والبيئية لا تزال تعيق استغلال بعض الأراضي الحدودية بشكل كامل.
ويأتي هذا التحرك الدبلوماسي في جنيف ضمن استراتيجية أوسع تتبناها الجزائر لتدويل قضية الجرائم الاستعمارية في القارة الإفريقية. وقد كثفت البلاد في الأشهر الأخيرة من مرافعاتها أمام الهيئات الدولية للمطالبة بتجريم الاستعمار والاستعباد، واعتبارهما من أخطر الانتهاكات التي شهدها التاريخ البشري الحديث، مع ضرورة توثيق كافة التجاوزات.
وكانت الجزائر قد احتضنت في أواخر عام 2025 مؤتمراً دولياً حول جرائم الاستعمار، أسفر عن 'إعلان الجزائر' الذي حظي بدعم قمة الاتحاد الإفريقي في مطلع عام 2026. ويدعو هذا الإعلان إلى ترسيخ تجريم الاستعمار في القانون الدولي، واسترجاع الأرشيفات المنهوبة، وإثبات المسؤولية عن الأضرار الناجمة عن التجارب النووية وزراعة الألغام.
وفي خطوة تشريعية هامة، صادق البرلمان الجزائري خلال العام الجاري على قانون خاص يجرم الاستعمار الفرنسي، واصفاً إياه بـ 'جريمة دولة' لا يمكن التغاضي عنها. ويتضمن القانون بنوداً صريحة تطالب بالاعتراف الرسمي بجرائم الألغام والتفجيرات النووية في الصحراء، كشرط أساسي لتطبيع العلاقات التاريخية بين البلدين.
ختاماً، يرى مراقبون أن إثارة ملف الألغام في مجلس حقوق الإنسان يعكس إصرار الجزائر على إبقاء ملف الذاكرة حياً في المحافل الدولية. وتستمر الدولة في استثمار خبرتها الميدانية لمساعدة الدول الإفريقية الأخرى التي لا تزال تعاني من مخلفات الحروب، مؤكدة أن التضامن الدولي هو السبيل الوحيد لتخليص العالم من هذه الآفة القاتلة.





شارك برأيك
الجزائر تنتقد تجاهل الأمم المتحدة لآثار 11 مليون لغم زرعها الاستعمار الفرنسي