د. إبراهيم نعيرات
لم تعد فلسطين تُناقَش اليوم فقط بوصفها ساحة حرب أو ملف مساعدات إنسانية عاجلة، بل بوصفها ملفاً سياسياً مفتوحاً على إعادة تشكيل محتملة، تُرسم ملامحها ببطء في الكواليس أكثر مما تُعلن في العلن. فبينما تستمر الحرب في غزة وتتعقد تداعياتها، يتحرك في الخلفية نقاش أكثر هدوءاً لكنه أعمق أثراً: ماذا بعد هذه اللحظة؟
في واشنطن، وفي عواصم أوروبية، وفي مراكز قرار عربية مؤثرة، تتبلور مقاربات لا تتحدث عن إنهاء الأزمة فقط، بل عن إعادة هندسة المشهد السياسي الفلسطيني نفسه: من يدير غزة؟ كيف ستُعاد صياغة العلاقة بينها وبين الضفة الغربية؟ ما مستقبل السلطة الفلسطينية؟ وما طبيعة النظام السياسي الذي يمكن أن يقود الفلسطينيين في المرحلة المقبلة؟
ورغم اختلاف أولويات الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج، فإن هناك تقاطعاً عاماً في عدد من العناوين: إنهاء الحرب، إعادة إعمار غزة، إعادة هيكلة السلطة الفلسطينية، إعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني، ثم إطلاق مسار سياسي يعيد إحياء أفق الدولة الفلسطينية. إلا أن النقاش لا يقتصر على تغيير حكومات أو شخصيات، بل يمتد إلى إعادة التفكير في فلسفة الحكم ذاتها.
من سلطة انتقالية إلى مشروع دولة
في عدد من الدوائر السياسية ومراكز الأبحاث، يبرز تصور يقوم على الانتقال من نموذج “السلطة الانتقالية” إلى نموذج “الدولة”. أي التحول من إدارة يومية للصراع إلى بناء مؤسسات دائمة للدولة الحديثة، تشمل حكومة مدنية، وقضاء مستقلاً، وإدارة عامة مهنية، واقتصاداً منظماً، وأجهزة أمنية تعمل ضمن مرجعية سياسية ودستورية موحدة.
وفي هذا السياق، يتكرر الحديث عن حكومة فلسطينية ذات طابع مدني وتكنوقراطي تتولى إدارة الضفة الغربية وقطاع غزة معاً، بالتوازي مع إصلاحات عميقة في مؤسسات السلطة، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وتجديد البنية السياسية الفلسطينية، وصولاً إلى إجراء انتخابات عندما تسمح الظروف السياسية والأمنية بذلك.
ولا يقتصر الهدف هنا على تحسين الأداء الإداري، بل يتجاوزه إلى إعادة بناء الشرعية السياسية، واستعادة الثقة الداخلية، وتهيئة بيئة قادرة على إطلاق مسار سياسي أكثر استقراراً.
غير أن هذا التصور لا ينفصل عن الإشكالية الجوهرية التي تحكم الحالة الفلسطينية، والمتمثلة في السعي لبناء مؤسسات دولة تؤدي وظائفها كما لو كانت دولة ذات سيادة كاملة، في الوقت الذي تبقى فيه هذه السيادة منقوصة بفعل استمرار الاحتلال. وهذا يضع هذا النموذج في منطقة وسط بين “السلطة الانتقالية” و“الدولة المكتملة”، حيث تُمارس وظائف الدولة تدريجياً ضمن قيود سياسية وأمنية قائمة.
وفي إطار هذا التصور الابتكاري، يبرز فهم أكثر تحديداً يقوم على أن مؤسسات الدولة الفلسطينية المنشودة يجب أن تمارس صلاحياتها الداخلية تجاه المواطنين كما لو كانت دولة ذات سيادة كاملة، من حيث إدارة الشأن العام، وإنفاذ القانون، وتقديم الخدمات، وتنظيم الحياة السياسية والاقتصادية، وذلك رغم استمرار وجود الاحتلال كعامل خارجي يقيّد المجال السيادي.
وبمعنى أدق، لا تُبنى الدولة هنا ككيان مكتمل السيادة على مستوى الواقع السياسي، بل كمنظومة مؤسساتية مكتملة الوظائف داخلياً، قادرة على فرض النظام العام وتوحيد المرجعية التنفيذية داخل المجتمع، بما يعزز فكرة الدولة من داخلها حتى في ظل غياب السيادة الكاملة على المستوى الخارجي.
ويقوم هذا التصور على الفصل النسبي بين “الوظيفة الداخلية للدولة” و“مسألة السيادة السياسية النهائية”، بحيث يُركّز على بناء مؤسسات قادرة على إنفاذ القانون وتوحيد القرار الإداري والأمني، في انتظار تطور المسار السياسي العام.
ولا يقتصر الهدف هنا على تحسين الأداء الإداري، بل يتجاوزه إلى إعادة بناء الشرعية السياسية، واستعادة الثقة الداخلية، وتهيئة بيئة قادرة على إطلاق مسار سياسي أكثر استقراراً.
من تعدد المرجعيات إلى الدولة المدنية
إذا كانت العقود الماضية قد اتسمت بتعدد مراكز القرار وتداخل الوظائف بين السياسي والأمني، فإن العديد من التصورات المطروحة للمرحلة المقبلة تميل إلى بناء مشهد سياسي مدني تكون فيه الحكومة هي المرجعية التنفيذية العليا، ويكون القانون هو الإطار الحاكم للعلاقة بين الدولة والمجتمع.
ويقوم هذا الاتجاه على فكرة أن استقرار أي نظام سياسي حديث يتطلب وحدة المرجعية السياسية والقانونية، بحيث تخضع جميع المؤسسات، بما فيها الأجهزة الأمنية، لقواعد دستورية واحدة، ويُطبق القانون على الجميع دون استثناء، ضمن إطار شرعية سياسية متوافق عليها.
وفي هذا السياق، يُطرح تصور يقوم على أن تكون صلاحيات استخدام القوة وإنفاذ القانون محصورة بالمؤسسات الرسمية، باعتبار ذلك أحد ركائز بناء الدولة الحديثة. فاحتكار الدولة لهذه الصلاحيات لا يُنظر إليه كإجراء أمني فقط، بل كشرط لبناء مؤسسات قادرة على فرض النظام العام وضمان المساواة أمام القانون.
حضور الفصائل وإعادة الضبط المؤسسي
في موازاة ذلك، يبرز ضمن النقاشات المتداولة تصور يتعلق بإعادة تنظيم حضور الفصائل داخل النظام السياسي الفلسطيني، في سياق أوسع يرتبط بتعزيز سيادة القانون وتوحيد المرجعية التنفيذية. فالمقصود هنا ليس إلغاء الدور السياسي للفصائل، بل إعادة تحديده ضمن إطار مؤسسي واضح، بحيث تصبح جميع الفاعليات السياسية خاضعة لمرجعية الدولة والقانون دون استثناء.
ويقوم هذا التصور على أن بناء دولة حديثة يتطلب وحدة في القرار التنفيذي، بما يفرض إخضاع النشاط السياسي والأمني لقواعد قانونية وتنظيمية واحدة، وإعادة ضبط العلاقة بين الفصائل ومؤسسات الحكم على أساس مؤسسي لا توازني. وبهذا المعنى، يُنظر إلى الفصائل باعتبارها قوى سياسية تعمل داخل نظام دولة، لا أطرافاً موازية له أو بديلة عنه في مجالات الحكم والأمن.
ويأتي هذا الطرح ضمن رؤية تهدف إلى تقليل ازدواجية القرار وتعدد مراكز القوة، وتعزيز قدرة المؤسسات على إنفاذ القانون بشكل متساوٍ على جميع الفاعلين. غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرهوناً بوجود صيغة توافقية تحدد بدقة طبيعة العلاقة بين الفصائل والدولة، بما يضمن ألا يتحول إنفاذ القانون إلى أداة صراع سياسي، بل إلى إطار جامع لإعادة تنظيم الحياة السياسية.
إعادة تعريف أدوات العمل الوطني
في حال تقدم هذا المسار، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولاً تدريجياً في مركز الثقل الفلسطيني من الأدوات العسكرية إلى الأدوات السياسية والدبلوماسية والمؤسساتية، من خلال توسيع الحضور الفلسطيني في المنظمات الدولية، وتعزيز أدوات القانون الدولي، وتكثيف العمل الدبلوماسي، والاستثمار في الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية.
وفي المقابل، قد تكتسب المقاومة الشعبية والمدنية مساحة أوسع باعتبارها إحدى أدوات العمل الوطني المنظمة، من خلال الحراك الجماهيري السلمي، والعمل الحقوقي، والمقاطعة الاقتصادية، والنشاط النقابي والإعلامي، واللجوء إلى القضاء الدولي، ضمن إطار سياسي وقانوني يرتبط بمشروع الدولة ومؤسساتها.
وبهذا المعنى، لا يُفهم التحول من العمل العسكري إلى العمل السياسي بوصفه تراجعاً عن المشروع الوطني، بل بوصفه إعادة تموضع لأدواته داخل مرحلة مختلفة من الصراع.
هل يسبق التوافق بناء الدولة أم تنتجه الدولة؟
يرى كثيرون أن أي عملية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني تتطلب توافقاً وطنياً واسعاً مسبقاً. غير أن هذا التصور يصطدم بواقع الانقسام السياسي الممتد منذ سنوات، ما يجعل انتظار توافق شامل قبل البدء في بناء المؤسسات أمراً شديد الصعوبة.
وتذهب مقاربة أخرى إلى أن بناء الدولة قد يكون أداة لإنتاج التوافق، لا نتيجة له.
فالتجارب المقارنة تشير إلى أن المؤسسات المستقرة، وسيادة القانون، ووحدة المرجعية السياسية، غالباً ما تسهم في تقليص الانقسامات تدريجياً، لأنها تفرض قواعد مشتركة يحتكم إليها الجميع بغض النظر عن اختلافاتهم السياسية.
ومن هذا المنطلق، فإن المدخل الأكثر واقعية قد لا يكون انتظار توافق شامل، بل التأسيس التدريجي لدولة قانون تمتلك مؤسسات قادرة على إنفاذ القانون بصورة متساوية على الجميع، وإخضاع مختلف القوى والفاعلين لمرجعية دستورية واحدة.
فإنفاذ القانون لا يُفهم هنا كوظيفة أمنية فقط، بل كعملية بناء ثقة بين المواطن والدولة، وبين المجتمع والمؤسسات السياسية. ومع ترسخ هذه المرجعية، يتحول الخلاف السياسي من صراع خارج المؤسسات إلى تنافس منظم داخلها.
فجوة في الرؤية بين الداخل والخارج
لكن رغم هذا الحراك في التصورات، فإن الرؤية التي تتبناها بعض دوائر صنع القرار في الغرب لا تتطابق بالكامل مع التطلعات الفلسطينية.
ففي ظل ما آلت إليه الأوضاع بعد حرب غزة، يبدو أن جزءاً من التفكير الغربي ينطلق من أن الأولوية في المرحلة الراهنة تتمثل في بناء نظام سياسي مستقر، ومؤسسات مدنية فعالة، وترسيخ سيادة القانون، بما يخلق بيئة أكثر استقراراً يمكن أن تتيح لاحقاً إعادة إطلاق مسار سياسي يؤدي إلى حل الدولتين.
ويستند هذا التصور إلى فرضية مفادها أن التحولات الكبرى لا تقتصر على تغيير موازين القوى، بل قد تؤدي أيضاً إلى تغييرات تدريجية في الوعي السياسي والخيارات المجتمعية، وأن فترات الصراع الحاد غالباً ما تفتح المجال لإعادة ترتيب الأولويات السياسية.
ومن هنا، يراهن بعض صناع القرار ومراكز التفكير الغربية على أن الاستثمار في بناء المؤسسات، ودعم الحكم المدني، وتعزيز الاقتصاد، وترسيخ سيادة القانون، قد يساهم على المدى البعيد في نشوء بيئة سياسية أكثر قابلية للتسويات التفاوضية، بما في ذلك إعادة إحياء مسار حل الدولتين عند توفر الظروف الإقليمية والدولية المناسبة.
غير أن هذا الرهان يواجه تحدياً أساسياً، يتمثل في أن الوعي الجمعي لا يتشكل بقرارات سياسية أو ترتيبات مؤسسية فقط، بل يتأثر أيضاً بالتجربة التاريخية، واستمرار الواقع القائم، ومدى شعور الناس بأن أي مشروع سياسي جديد يقود فعلاً إلى السيادة والحرية، وليس إلى إدارة أكثر كفاءة للواقع نفسه.
بين بناء الدولة وإدارة الصراع
في المحصلة، ما يجري تداوله اليوم لا يتعلق فقط بإعادة إعمار البنية التحتية، بل بإعادة صياغة النظام السياسي الفلسطيني نفسه. والسؤال لم يعد من سيدير غزة بعد الحرب، بل أي نموذج سياسي يُراد للفلسطينيين أن يتجهوا نحوه: نموذج دولة مكتملة المؤسسات، أم نموذج إدارة مستدامة للصراع.
وربما يكمن التحدي الأكبر في القدرة على التوفيق بين مسارين متوازيين: بناء دولة حديثة تقوم على سيادة القانون والمؤسسات، والحفاظ في الوقت ذاته على جوهر القضية الفلسطينية باعتبارها قضية حرية وتقرير مصير.
فإذا نجح الفلسطينيون في بناء هذا التوازن، فقد تتحول مرحلة ما بعد غزة إلى فرصة لإعادة تأسيس المشروع الوطني على أسس أكثر استقراراً ووضوحاً. أما إذا اتسعت الفجوة بين الرؤية الدولية والتطلعات الفلسطينية، فقد يبقى المسار محكوماً بإدارة الأزمة بدل الوصول إلى تسوية تاريخية تنهي الصراع.





شارك برأيك
في الكواليس: ما الذي يُحضَّر لفلسطين سياسياً؟