تحليل

الثّلاثاء 23 يونيو 2026 7:07 صباحًا - بتوقيت القدس

ستون يوما على صفيح ساخن: كيف تحول النفط إلى ورقة اختبار للنوايا بين واشنطن وطهران

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات – 23/6/2026


تحليل إخباري


في منعطف لافت للسياسة الأميركية، أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترمب الاثنين رفعاً موقتاً للعقوبات النفطية على إيران لمدة ستين يوماً، بما يتيح شراء الخام الإيراني بالدولار الأميركي، في خطوة قد تمنح طهران عائدات مالية كبيرة بعد أعوام من البيع بخصومات لمشترين يتحاشون العقوبات. وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن القرار جاء تتويجاً لمحادثات "مستمرة ومثمرة" في بورغنشتوك السويسرية. وأكد نائب الرئيس جي دي فانس، كبير المفاوضين الأميركيين، أن إيران وافقت على استقبال مفتشي الأمم المتحدة لمواقعها النووية، واصفاً ذلك بـ"الإنجاز الكبير للشعب الأميركي". غير أن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي سارع إلى نفي تقديم طهران أي التزامات جديدة، مشدداً على أن التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيظل محكوماً بـ"الإجراءات القائمة" فحسب. ولم يصدر عن الوكالة حتى الآن أي تعقيب على تصريحات ترمب وفانس، ما يلقي بظلال كثيفة على جوهر التفاهمات المعلنة.


ويُبرز التناقض بين التصريحات الأميركية ونفي طهران جوهر المأزق: ففي حين تسعى إدارة ترمب إلى تسويق إنجاز دبلوماسي سريع يسمح برفع جزئي للعقوبات، تتمسك إيران بخطابها التقليدي الرافض لأي تنازلات جديدة. هذه الفجوة تعكس غياب ثقة متينة بعد سنوات التصعيد العسكري والاغتيالات. دون آلية تحقق مستقلة وملزمة، قد يتحول الإعفاء النفطي إلى مناورة تكتيكية تُكرر انهيار اتفاق 2015، ويبقى الرهان على النوايا الحسنة هشاً في ظل إصرار طهران على أنها لم تقدم أي التزام جديد. ويحذر خبراء من أن الرهان الأميركي قد ينقلب إلى ورطة إن لم تترجم الوعود إلى تفتيش.


وأضاف فانس أن مباحثات جنيف التي انطلقت الأحد، وأشرف عليها وسيطان قطري وباكستاني، أرست "أساساً جيداً جداً" لاتفاق سلام نهائي. وكشف النقاب عن إنشاء قنوات اتصال مباشرة لخفض التصعيد في مضيق هرمز وفي لبنان، حيث تراجعت حدة الاشتباكات بين إسرائيل وحزب الله. واعتبر فانس أن هذه الترتيبات تمنع "خروج الوضع عن السيطرة"، مشيراً إلى أن إيران تعهدت بضمان حرية الملاحة في الممر المائي الحيوي الذي أُغلق خلال حرب يونيو 2025، مما دفع أسعار الطاقة العالمية إلى الارتفاع.


على الصعيد الميداني، تأتي هذه التطورات بعد الحرب الخاطفة التي دامت 12 يوماً في صيف 2025، والتي قصفت فيها إسرائيل والولايات المتحدة منشآت نووية إيرانية، وأدت إلى طرد مفتشي الوكالة الذرية. ومنذ ذلك الحين، يكتنف الغموض مصير كميات اليورانيوم عالي التخصيب التي تقول طهران إنها دُمرت أو طُمرت. وبموجب مذكرة التفاهم الموقعة الأسبوع الماضي، وافقت إيران على تخفيف ذلك المخزون تحت رقابة الوكالة، في خطوة تهدف إلى ترميم الثقة الدولية. وكانت طهران قد اتهمت الوكالة الدولية بتوفير غطاء سياسي للغارات الإسرائيلية–الأميركية بعد قرار صدر عنها يتهمها بعدم الامتثال. ويرى محللون أن إصرار إيران على حق التخصيب، رغم التزامها بتخفيف المخزون، يعكس رغبتها في الحفاظ على بنيتها النووية كورقة ضغط استراتيجية. لكن الرئيس مسعود بزشكيان جدد التأكيد على أن بلاده "لن تتراجع قيد أنملة" عن حقها في التخصيب السلمي.


أما الحزمة الاقتصادية، فأصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصاً لمدة 60 يوماً يسمح بإنتاج النفط الإيراني وتسليمه وبيعه، وهو ما يمنح طهران سيولة دولارية طال انتظارها. وفي موازاة ذلك، أعلن محافظ البنك المركزي الإيراني عبدالناصر همتي التوقيع على مذكرات لبدء الإفراج عن 24 مليار دولار من الأصول المجمدة. لكن مسؤولين أميركيين لم يؤكدوا هذه الخطوة، واشترط فانس توجيه أي أموال مفرج عنها لشراء سلع أميركية كالصويا والقمح، مع حظر استخدامها في تمويل الإرهاب، في فكرة نسبها إلى جاريد كوشنر، على أن تشرف واشنطن والدوحة على الآلية.


ويمثل الإعفاء المؤقت من العقوبات النفطية شريان حياة لاقتصاد إيراني مختنق، لكن تفاصيل الاتفاق تظهر أن واشنطن لم تمنح طهران شيكاً على بياض. فربط الإفراج عن الأصول المجمدة بشراء منتجات زراعية أميركية يخدم قاعدة ترمب الانتخابية، ويحول الأزمة إلى فرصة لدعم المزارعين الأميركيين. في المقابل، يمنح تدفق الدولارات إيران سيولة قد تخفف الاحتجاجات الداخلية، لكنه يبقيها تحت رحمة انقضاء مهلة الستين يوماً التي يمكن أن تنتهي بعودة العقوبات إذا تعثر التفتيش النووي، مما يجعل الانتعاش هشاً ومرهوناً بالتزامات لم تثبت جديتها بعد. وهكذا تتحول إلى أداة ضغط مزدوجة بيد واشنطن.


وتجدر الإشارة إلى أن الرفع الجزئي للعقوبات وإتاحة التفتيش يعيدان عملياً صلب اتفاق 2015 النووي الذي انسحب منه ترمب عام 2018، واصفاً إياه بأنه "أسوأ صفقة في التاريخ". وتخشى أوساط دبلوماسية من أن يؤدي تضارب التفسيرات إلى انهيار المسار التفاوضي على غرار ما حدث سابقاً، لا سيما أن إيران بدأت تقليص تعاونها التفتيشي غداة الانسحاب الأميركي، ثم أوقفته كلياً عقب قصف 2025.


ومثّل إغلاق إيران لمضيق هرمز خلال الحرب سلاحاً جيوستراتيجياً أربك أسواق الطاقة العالمية. واليوم، تقدم واشنطن مكافآت مالية مقابل إعادة فتح الممر الحيوي، في اعتراف ضمني بأن الردع العسكري وحده لا يكفي. بيد أن ربط تدفق النفط بتعهدات التفتيش يضع أمن الطاقة العالمي رهن مفاوضات هشة. وإذا ما تكرر سيناريو الإغلاق مستقبلاً، ستجد إدارة ترمب نفسها أمام خيارين صعبين: العودة إلى الضغط الأقصى الذي فشل سابقاً، أو تقديم تنازلات إضافية قد تشجع طهران على استخدام المضيق كورقة ابتزاز دائمة. وهكذا تنتقل واشنطن من رهينة التصعيد إلى رهينة التهدئة الموقوتة.


ومع ذلك، فإن الهوة بين خطاب النصر الأميركي والتمسك الإيراني بالخطوط الحمراء تجعل من المبكر الحديث عن اختراق حقيقي. وفي انتظار ما ستسفر عنه الأيام الستون المقبلة، يراقب العالم بحذر امتحان النوايا الجديد بين واشنطن وطهران. ففي حين يرى ترمب في الإعفاء النفطي جواز عبور إلى إرث دبلوماسي ينهي عقوداً من العداء، تتعامل طهران معه بصفته استحقاقاً عن صمودها تحت وطأة "الضغط الأقصى". وبين روايتين متعارضتين، تظل الوقائع على الأرض وحدها قادرة على تأكيد ما إذا كان السلام قيد التشييد حقاً، أم أننا أمام هدنة تكتيكية تخفي تحت رمادها جمراً لم ينطفئ بعد.

دلالات

شارك برأيك

ستون يوما على صفيح ساخن: كيف تحول النفط إلى ورقة اختبار للنوايا بين واشنطن وطهران

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.