رسالة واشنطن
واشنطن سعيد عريقات – 22/6/2026
تحليل إخباري
في وقت يسعى فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تثبيت وقف هش لإطلاق النار وتحويله إلى اتفاق دائم مع إيران، برزت ثلاثة عوائق كبرى تهدد مسار التفاوض برمته، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست". ففيما تستعرض طهران سيطرتها على مضيق هرمز عبر تعطيل الملاحة جزئياً، تتواصل الاشتباكات بين إسرائيل وحزب الله، ويتصاعد غضب الجناح اليميني في الحزب الجمهوري الذي يتهم الرئيس بتقديم تنازلات مجانية. هذه التحديات تكشف هشاشة موقع ترمب التفاوضي بعد حرب قصيرة زعزعت أسواق الطاقة وأثبتت أن إيران قادرة على الصمود، مما يطرح أسئلة وجودية حول مستقبل الاتفاق النووي الهش.
يلتقي نائب الرئيس جاي دي فانس كبار المسؤولين الإيرانيين سعياً إلى اتفاق يمنع طهران من امتلاك سلاح نووي مقابل تخفيف العقوبات. لكن أوراق الضغط الأميركية تراجعت بشكل كبير منذ فبراير الماضي، حين كانت القيادة الإيرانية تخشى أن تؤدي الضربات إلى انهيار النظام. أما اليوم، وبعد مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في 28 شباط ، نجحت الجمهورية الإسلامية في إثبات تماسكها المؤسسي، بل وأعادت إنتاج شرعيتها تحت النار. ويعلق آرون ديفيد ميلر، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، قائلا إن "هامش المناورة المتاح لترمب بات ضيقاً للغاية؛ فأي محاولة للضغط على إيران تعني عملياً استئناف الحرب أو فرض حصار بحري، وهو ما يحمل عواقب اقتصادية يريد تجنبها بأي ثمن". ويختتم تحذيره بعبارة قاسية: "لقد قوّضنا ردعنا بأنفسنا مع إيران".
التنازلات التي قدّمها البيت الأبيض لإحياء المفاوضات تحوّلت إلى خط هجوم مركزي لخصوم ترمب. فلم يعد الرئيس يطالب بتغيير النظام في طهران، وأبدى تفهماً لاحتياج إيران للصواريخ الباليستية، وهو ما أقلق حلفاء واشنطن في الخليج وإسرائيل. وبينما تضعف هذه المواقف القدرة التفاوضية الأميركية، تتصاعد الضغوط الداخلية على ترمب قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، إذ أظهر استطلاع لشبكة "فوكس نيوز" أن 58 في المئة من الناخبين يعتقدون أن العمل العسكري ضد إيران كان خاطئاً، مقابل موافقة 35 في المئة فقط على إدارة الرئيس لهذا الملف. ومع ذلك، أبدى فانس تفاؤلاً حذراً، قائلاً إن الإدارة تأمل في إحراز تقدم في الملفين النووي واللبناني "لجعل المنطقة بأكملها آمنة ومستقرة".
شكّل مضيق هرمز العنوان الأبرز لاختبار القوة. فقبل الحرب، كانت قدرة إيران على إغلاق هذا الشريان الحيوي الذي ينقل خُمس إمدادات النفط العالمية مجرد نظرية. أما الآن، فقد أثبتت طهران قدرتها العملية على زرع الألغام وإطلاق الطائرات المسيّرة لتعطيل الملاحة. وأكدت شركة "كبلر»"لتتبع الناقلات انخفاض حركة العبور إلى 20 سفينة يومياً، مقارنة بـ130 سفينة قبل التصعيد، في مؤشر على أن مجرد التهديد يكفي لرفع أقساط التأمين وإثناء القباطنة عن المخاطرة. رد ترمب عبر منصات التواصل بتهديدات بفرض "رسوم عبور أميركية" مقابل "خدمات الحماية"، مما عمّق الانطباع بتراجع الهيمنة البحرية لواشنطن.
أما على الجبهة الإسرائيلية-اللبنانية، فيهدد استمرار الاشتباكات بتقويض الاتفاق الهش. فقد قُتل أربعة من جنود الاحتلال ألإسرائيلي في كمين لحزب الله الجمعة، ولحقه آخرون جنود من جيش الاحتلال الإسرائيلي بين قتيل وجريح يوم السبت، بينما تحذر أجهزة الاستخبارات الأميركية من أن تل أبيب قد تسعى إلى إفشال التفاهمات. الانتقادات الحادة لم تقتصر على الديمقراطيين، بل امتدت إلى قلب المعسكر الجمهوري، حين شنّ برايان كيلميد، مذيع "فوكس آند فريندز" المعروف بتأييده القوي لإسرائيل، والداعم التقليدي لترمب، هجوماً عنيفاً قائلاً: "إذا كنت تريد من إسرائيل أن تمشي في الخطة، فعليك أن تبلغها بمضمونها. لم يكونوا حتى جزءاً من المحادثات". هذا الغضب يعكس قلقاً متصاعداً من أن الرئيس تحوّل من حليف استراتيجي لإسرائيل إلى وسيط - يبدو في الذهن المناصر لإسرائيل - منحازاً للطرح الإيراني، مما يهدد بشرخ عميق داخل التحالف الانتخابي المحافظ.
في خضم ذلك، يصر ترمب وفريقه على أن البحرية الإيرانية دُمّرت، وأن القيادة الجديدة بزعامة آية الله مجتبى خامنئي أكثر استعداداً للإصلاح والتفاوض، وأن طهران باتت أبعد عن السلاح النووي. لكن هذه الرواية تصطدم بواقع ميداني يُظهر إيران ممسكة بمفاتيح الطاقة ومستفيدة من تردد واشنطن في تصعيد يطيح بالأسواق المالية قبيل انتخابات فاصلة.
تظهر التطورات الأخيرة أن إدارة ترمب دخلت نفقاً استراتيجياً مظلماً؛ إذ إن تنازلاتها الكبرى، من التخلي عن تغيير النظام إلى تفهم حاجة إيران للصواريخ الباليستية، أفرغت حملتها العسكرية من مضمونها. النظام في طهران، الذي كان يُعتقد أنه على شفا الانهيار بعد مقتل خامنئي، أعاد بناء شرعيته الداخلية وتماسكه. وهكذا، تحولت إيران من طرف يخشى الضربة الأميركية إلى قوة تختبر حدود قدرة واشنطن على الردع، بينما يترقب ترمب ارتدادات أي مواجهة جديدة على أسعار النفط والأسواق التي باتت بوصلته الوحيدة في معادلة لا تترك له هامشاً للمناورة أو العودة إلى الوراء.
واصطدمت حسابات ترمب الانتخابية بجدار الانقسام داخل معسكره؛ فالأصوات التي هلّلت للضربات الجوية في فبراير تحولت اليوم إلى سيل من الاتهامات بالخيانة بعد أن وجّه الرئيس انتقادات علنية لإسرائيل وبدا وكأنه ينحاز إلى الرواية الإيرانية في ملف الاشتباكات مع حزب الله. يمثل برايان كيلميد، المذيع في "فوكس آند فريندز"، نموذجاً للتمرد على نهج الرئيس حين صرّح بأن إسرائيل "حشرت في اتفاق لم تشارك في صياغته". هذا الغضب يعكس شعوراً بأن ترمب قدّم لإيران مكاسب لا تتناسب مع حجم التضحيات العسكرية الأميركية، مما يهدد بشرخ في الجبهة الداخلية قبيل انتخابات حاسمة.
لعل أخطر ما كشفته أزمة مضيق هرمز أن طهران لم تعد تنظر إلى الأسطول الأميركي كرادع وجودي، بل كعامل يمكن تجاوزه. إغلاق الممر جزئياً بالألغام والمسيّرات أثبت قدرة إيران على التحكم بإيقاع أسواق الطاقة العالمية من دون الدخول في مواجهة شاملة. تحذيرات ترمب من فرض رسوم عبور أميركية بدت أقرب إلى تغريد خارج السرب، في وقت تتهاوى فيه هيبة القوة البحرية العاجزة عن ضمان حرية الملاحة. هكذا باتت طهران تمسك بمفتاح الاقتصاد الأميركي وتتفاوض وفق شروطها، بعد أن حوّلت نقطة ضعفها الجغرافية إلى سلاح ردع اقتصادي مؤلم يفرض معادلات جديدة.





شارك برأيك
ترمب يصطدم بعقبات الاتفاق: هرمز واليمين وإسرائيل تهدد التسوية