رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات -21/6/2026
صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب من لهجته تجاه إيران، مهدداً بشن ضربات جديدة ضدها إذا لم تعمل على وقف ما وصفه بـ"أنشطة وكلائها" في لبنان، في إشارة إلى حزب الله، وذلك بالتزامن مع انطلاق جولة جديدة من المحادثات غير المباشرة بين واشنطن وطهران في سويسرا بوساطة باكستانية وقطرية.
وقال ترمب في منشور عبر منصة "تروث سوشيال" إن على إيران أن "توقف فوراً وكلاءها الذين يتلقون أموالاً طائلة في لبنان عن التسبب بالمشكلات"، مضيفاً: "إذا لم يفعلوا ذلك، فسنضرب إيران بقوة شديدة مرة أخرى، تماماً كما فعلنا الأسبوع الماضي، ولكن بصورة أقسى".
ويأتي هذا التهديد في وقت يتوجه فيه نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى جولة محادثات مع المسؤولين الإيرانيين، في إطار مساعٍ تهدف إلى تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار الممتد ستين يوماً بين الولايات المتحدة وإيران، وفتح الباب أمام تفاهمات أوسع تتعلق بالملف النووي الإيراني وأزمات المنطقة، وفي مقدمتها الوضع في لبنان.
وكان ترمب قد ربط سابقاً نجاح هذه المفاوضات بأداء فريقه التفاوضي، مشيراً إلى أن فشلها سيُحمّل مسؤولية مباشرة لنائبه، في خطوة تعكس الأهمية التي توليها الإدارة الأميركية الحالية لهذا المسار الدبلوماسي.
وبحسب الترتيبات التي أعقبت المواجهة العسكرية الأخيرة بين واشنطن وطهران، فإن اتفاق التهدئة المؤقت يشمل أيضاً الساحة اللبنانية التي لا تزال تشهد غارات وعمليات عسكرية إسرائيلية ضد مواقع يقول الجيش الإسرائيلي إنها مرتبطة بحزب الله، وسط اتهامات إسرائيلية للحزب بتهديد أمن المستوطنات الشمالية.
وخلال وجوده في سويسرا، أكد فانس للصحافيين أن إدارة ترمب “بذلت جهوداً أكبر من أي حكومة أخرى خلال الأشهر الماضية لوقف الصراع في لبنان”، مشدداً على أن تحقيق السلام يتطلب "تنازلات متبادلة وجهداً مستمراً".
وأضاف نائب الرئيس الأميركي أن ترمب لا يسعى فقط إلى إبرام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، بل يعمل أيضاً على تحقيق "سلام إقليمي أوسع"، معتبراً أن تسوية الملفات العالقة في المنطقة تشكل جزءاً أساسياً من الرؤية الأميركية الجديدة للشرق الأوسط.
ومن المتوقع أن تتناول المباحثات الأميركية الإيرانية في سويسرا ملف المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، رغم غياب ممثلين إسرائيليين عن جلسات التفاوض الحالية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول قدرة الأطراف المشاركة على التوصل إلى تفاهمات عملية بشأن الساحة اللبنانية.
ويشير ترمب في تهديده الأخير إلى الضربات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة ضد أهداف داخل إيران الأسبوع الماضي، بعدما اتهم طهران بالمماطلة في التوصل إلى اتفاق ينهي الخلاف حول برنامجها النووي. وكانت الإدارة الأميركية قد بررت تلك الضربات بأنها وسيلة لدفع إيران إلى العودة الجدية إلى طاولة المفاوضات.
وتكشف تصريحات ترمب عن محاولة واضحة لربط الساحات الإقليمية بعضها ببعض، بحيث لا يعود الملف النووي الإيراني منفصلاً عن النفوذ الإيراني في لبنان أو العراق أو غيرهما. فالإدارة الأميركية تبدو مقتنعة بأن أي اتفاق طويل الأمد مع طهران لن يكون قابلاً للحياة ما لم يترافق مع تفاهمات حول أدوار الحلفاء الإقليميين لإيران. ومن هذا المنطلق، يتحول لبنان إلى ساحة اختبار حقيقية لمدى استعداد طهران لتقديم تنازلات سياسية وأمنية تتجاوز حدود برنامجها النووي، وهو ما يجعل المفاوضات الحالية أكثر تعقيداً من أي جولات سابقة.
كما يعكس التهديد الأميركي أيضاً استمرار اعتماد سياسة "الضغط والتفاوض" في آن واحد، وهي المقاربة التي لطالما فضّلها ترمب في التعامل مع الخصوم الدوليين. فبينما يجلس المفاوضون على طاولة الحوار في سويسرا، يواصل البيت الأبيض توجيه رسائل ردع عسكرية قاسية لإيران. وتقوم هذه الاستراتيجية على إقناع القيادة الإيرانية بأن كلفة التصعيد ستكون مرتفعة، مقابل تقديم حوافز سياسية واقتصادية إذا اختارت طريق التسوية. غير أن هذا النهج يحمل مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي أي خطأ ميداني أو سوء تقدير إلى نسف المفاوضات وإعادة المنطقة إلى دائرة المواجهة المفتوحة.
أما بالنسبة للبنان، فإن التطورات الجارية تؤكد أن مصير الاستقرار الداخلي بات مرتبطاً بصورة متزايدة بالتوازنات الإقليمية والدولية. فاستمرار المواجهة بين إسرائيل وحزب الله يمنح القوى الخارجية دوراً متعاظماً في رسم مستقبل البلاد الأمني والسياسي. وفي حال نجحت المحادثات الأميركية الإيرانية في التوصل إلى تفاهمات أوسع، فقد يشهد لبنان فترة من التهدئة النسبية. أما إذا تعثرت المفاوضات أو انهار وقف إطلاق النار، فإن الساحة اللبنانية قد تتحول مجدداً إلى إحدى أبرز نقاط الاشتباك بين واشنطن وطهران، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على الأمن الإقليمي بأسره.





شارك برأيك
ترمب يلوّح بضرب إيران مجدداً إذا لم تكبح هجمات حزب الله في لبنان