تحليل

الأحد 21 يونيو 2026 1:21 مساءً - بتوقيت القدس

صراع المصالح الصامتة: كيف تتقاطع رؤى بكين وموسكو في الملف الإيراني؟

غالباً ما يُنظر إلى التقارب بين طهران وبكين وموسكو ككتلة واحدة صلبة في مواجهة الغرب، إلا أن التدقيق في جوهر هذه العلاقات يكشف عن شبكة معقدة من المصالح المتباينة. فبينما تنظر الصين إلى إيران من بوابة الاقتصاد والطاقة، ترى روسيا في طهران ورقة استراتيجية لإعادة توازن القوى الدولية ومنع التفرد الأمريكي بإدارة ملفات الشرق الأوسط.

تاريخياً، لم يبدأ الطموح النووي الإيراني كشراكة مع الشرق، بل انطلق بدعم من الولايات المتحدة وألمانيا الغربية قبل الثورة الإسلامية عام 1979. ومع انسحاب الشركات الغربية نتيجة التحولات السياسية، وجدت موسكو فرصة ذهبية للدخول إلى قلب هذا الملف عبر استكمال مفاعل بوشهر وتدريب الكوادر الفنية، مما جعلها شريكاً لا يمكن تجاوزه في البنية التشغيلية للبرنامج.

المكاسب الروسية من الملف النووي الإيراني تتجاوز العوائد المالية، فهي تضمن لموسكو دوراً دائماً في أكثر ملفات المنطقة حساسية. هذا الدور تجلى بوضوح في اتفاق عام 2015، حين تحولت روسيا إلى مخزن لليورانيوم الإيراني المخصب، مما جعلها ضامناً تقنياً وسياسياً يحول دون انفراد واشنطن برسم السياسات الإقليمية.

تفضل موسكو بقاء الملف الإيراني في 'منطقة رمادية' طويلة الأمد، حيث تمتلك طهران برنامجاً متقدماً دون الوصول إلى القنبلة النووية المعلنة. هذا الوضع يمنع سباق تسلح نووي على حدود روسيا الجنوبية، وفي الوقت ذاته يحافظ على حاجة إيران الدائمة للغطاء السياسي والتقني الروسي في مواجهة الضغوط الدولية.

أحدثت الحرب في أوكرانيا تحولاً جوهرياً في ميزان القوى بين موسكو وطهران، حيث انتقلت العلاقة من التبعية التقنية إلى الاعتماد المتبادل. برز ذلك بوضوح في التعاون العسكري بمجال الطائرات المسيرة وتبادل الخبرات في الالتفاف على العقوبات الغربية، مما عزز من قيمة إيران كحليف استراتيجي فاعل لروسيا.

على الجانب الآخر، تمثل الصين 'الرئة الاقتصادية' التي مكنت إيران من الصمود في وجه الحصار الأمريكي المشدد. ومن خلال شراء النفط وتوقيع اتفاقية التعاون الاستراتيجي لمدة 25 عاماً، ثبتت بكين أقدامها كشريك تجاري لا غنى عنه، مستفيدة من موقع إيران الجغرافي كحلقة وصل في مبادرة الحزام والطريق.

يبرز الفرق الجوهري بين القوتين في أن الصين صعدت من داخل النظام التجاري العالمي وتعتبر الاستقرار ضرورة لنموها الاقتصادي. أما روسيا، فما زالت تنظر للعالم من منظور الصراعات الجيوسياسية والتوازنات العسكرية، وهو ما يجعل تعاملهما مع الملف الإيراني يتبع مسارات مختلفة رغم التقاطع الظاهري.

خلال الأزمات العسكرية الأخيرة، لم تتدخل روسيا أو الصين بشكل مباشر، لكنهما وفرتا شبكة أمان سياسية واقتصادية منعت عزل إيران بالكامل. الدعم الصيني في أسواق الطاقة والغطاء الدبلوماسي الروسي في المؤسسات الدولية شكلا حائط صد منع انهيار الدولة الإيرانية تحت وطأة الضغوط الخارجية.

يمثل بحر قزوين بعداً جيوسياسياً حاسماً في هذا التحالف الثلاثي، كونه بحراً مغلقاً بعيداً عن متناول الأساطيل الأمريكية. هذا الممر الشمالي وفر لطهران متنفساً لوجستياً يربطها بروسيا وآسيا الوسطى، مما قلل من فاعلية الضغوط العسكرية التي تمارسها واشنطن في الممرات المائية الجنوبية كالخليج ومضيق هرمز.

تطرح التساؤلات حول مستقبل هذا التحالف في حال اندمجت إيران بشكل كامل في الاقتصاد العالمي ونظام التجارة الدولي. بالنسبة للصين، قد يعني ذلك فرصاً استثمارية أوسع ومنافسة أكبر، بينما قد تخسر روسيا جزءاً كبيراً من نفوذها السياسي القائم على حاجة طهران للوساطة والغطاء الدولي.

الاندماج الإيراني المحتمل في المنظومة الدولية قد يخلق تضارباً في المصالح مع روسيا، خاصة إذا تحولت إيران إلى منافس في أسواق الغاز والنفط العالمية. كما أن الانفتاح الاقتصادي قد يفرض تحولات في البنية السياسية الداخلية لإيران، وهو ما قد يغير من طبيعة تحالفاتها القائمة مع القوى الشرقية.

إيران من جهتها، تمارس لعبة توازن دقيقة بين 'التنين' الصيني و'الدب' الروسي لتحقيق أقصى استفادة ممكنة. فهي تدرك أن حاجتها للصين اقتصادية بالدرجة الأولى، بينما تظل حاجتها لروسيا مرتبطة بالأمن القومي والملف النووي وتوازنات القوى العسكرية في المنطقة.

إن الحديث عن 'محور شرقي' متجانس يغفل حقيقة أن كل طرف يتحرك وفق أجندة وطنية بحتة قد تتقاطع اليوم وتفترق غداً. فبقاء إيران على وضعها الحالي يخدم مصالح روسيا الاستراتيجية، بينما قد تفضل الصين إيران أكثر استقراراً وانفتاحاً لتعزيز تدفقات التجارة والطاقة.

في الختام، يظل التحالف الثلاثي رهناً بالتحولات الدولية الكبرى وقدرة إيران على المناورة بين الضغوط الغربية والمصالح الشرقية. وسيبقى السؤال قائماً حول مدى استعداد بكين وموسكو لدعم طهران إذا ما وصلت المواجهة مع الغرب إلى نقطة اللاعودة التي تهدد مصالحهما الحيوية.

دلالات

شارك برأيك

صراع المصالح الصامتة: كيف تتقاطع رؤى بكين وموسكو في الملف الإيراني؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.