د. إبراهيم نعيرات
لم يعد بنيامين نتنياهو مجرد رئيس حكومة في إسرائيل، بل أصبح عنوانًا لأزمة سياسية ممتدة، داخلية وخارجية، تتجاوز شخصه لتطاول صورة الدولة نفسها. ومع تراكم سنوات الحكم، والحروب المتتالية، والانقسام الداخلي العميق، باتت فكرة بقائه في السلطة تُطرح ليس فقط كمسألة سياسية داخلية، بل كعامل يحدد موقع إسرائيل في النظام الدولي.
داخل إسرائيل، يتآكل الإجماع حول نتنياهو بشكل متسارع. فالرجل الذي قدّم نفسه طويلًا كـ“ضامن الأمن والاستقرار”، أصبح في نظر معارضيه رمزًا للاستقطاب والانقسام وتفكيك الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة. ومع التحالف مع قوى اليمين الديني المتشدد، تحولت حكوماته إلى مساحة لصراع داخلي مفتوح، لا يهدأ إلا ليشتعل من جديد.
وفي هذا السياق، لم يعد نتنياهو يحظى بقبول واسع كما في السابق، إذ تتسع دائرة الرافضين له داخل المشهد السياسي الإسرائيلي وخارجه، حتى بات حضوره مثار جدل وانقسام غير مسبوق، وتقلّص هامش القبول به كخيار قيادي جامع، مقابل تصاعد النظر إليه كعامل استقطاب أكثر منه عنصر توازن.
أما خارجيًا، فقد بدأت صورة نتنياهو تأخذ طابعًا أكثر تعقيدًا. لم يعد يُنظر إليه كشريك سياسي صعب فحسب، بل كشخصية تُثقل كاهل الدبلوماسية الإسرائيلية، وتتحول تدريجيًا إلى شبح سياسي غير مرغوب فيه دوليًا في بعض الدوائر. الانتقادات المتزايدة لسياسات الاستيطان، وإدارة الحرب في غزة، وتدهور العلاقة مع بعض العواصم الغربية، كلها عوامل جعلت حضوره السياسي موضع تحفظ متصاعد، حتى في أوساط كانت تقليديًا داعمة لإسرائيل دون شروط.
في هذا السياق، يتبلور داخل إسرائيل تيار يرى أن تجاوز مرحلة نتنياهو لم يعد خيارًا سياسيًا عاديًا، بل ضرورة لإعادة ضبط العلاقة بين الداخل والخارج. هذا التيار، الممتد من يمين الوسط إلى الوسط السياسي، يقدمه كمدخل لإعادة ترميم صورة إسرائيل، وإعادة بناء الثقة مع الحلفاء، خصوصًا في الغرب، الذين باتوا أكثر حساسية تجاه خطاب وسياسات اليمين المتشدد.
لكن المفارقة الجوهرية تكمن في أن هذا التحول المحتمل لا يعني بالضرورة تحولًا في جوهر السياسات. فحتى القوى التي تُطرح كبدائل لنتنياهو لا تقدم تصورًا جذريًا مختلفًا تجاه القضية الفلسطينية، بل تميل إلى إدارة الصراع بدل حله، وإلى حلول انتقالية بدل التسويات النهائية. بمعنى آخر، قد يتغير الوجه السياسي، لكن البنية العميقة للسياسات تبقى إلى حد كبير على حالها.
ورغم ذلك، فإن أي إعادة تموضع إسرائيلية تجاه الفلسطينيين، حتى لو جاءت في البداية بتحفظ وحذر داخلي واضح، قد تفتح في المدى المتوسط والبعيد نافذة سياسية مختلفة. فحرب غزة وما رافقها من تداعيات إنسانية وسياسية دولية أسهمت في بلورة إرادة دولية أوسع وأكثر وضوحًا تجاه ضرورة إعادة إحياء مسار حل القضية الفلسطينية، بدل إبقائها في حالة إدارة مزمنة للصراع. ورغم أن هذه التحولات لن تكون سريعة أو سلسة، فإن تراكم الضغط الدولي وتبدّل المزاج في بعض العواصم المؤثرة قد يدفعان تدريجيًا نحو إعادة فتح الملف السياسي بشكل أكثر جدية، حتى لو بدأ ذلك عبر خطوات انتقالية محدودة.
من جهة أخرى، يظل نتنياهو لاعبًا سياسيًا لا يُستهان به. فشبكة التحالفات داخل الكنيست، وقوة الليكود، والقدرة على إعادة التموضع، كلها عناصر تمنحه فرصة للبقاء أو العودة حتى في لحظات الضعف. لذلك فإن الحديث عن نهايته السياسية لا يزال سابقًا لأوانه من منظور حسابات السلطة.
لكن رغم ذلك، تتسع الفجوة بين نتنياهو وعدد متزايد من الشركاء الدوليين، إلى درجة بات فيها حضوره نفسه عامل توتر في بعض الملفات. وهنا يظهر جوهر التحول: لم يعد السؤال فقط هل يبقى أو يرحل، بل هل أصبح جزءًا من المشكلة في نظر كثيرين، بدل أن يكون جزءًا من الحل.
وفي الختام، يمكن القول إن نتنياهو لم يكشف فقط حدود السياسة الإسرائيلية، بل كشف النوايا الخفية داخلها، وأثبت أن إسرائيل ليست كيانًا سياسيًا واحدًا متجانسًا، بل هي أكثر من “إسرائيل” واحدة، تتداخل فيها مشاريع ورؤى متصارعة حول الدولة والمجتمع والمستقبل.
في النهاية، لا يبدو أن إسرائيل تقف أمام مجرد تغيير حكومة، بل أمام اختبار أعمق يتعلق بشكل الدولة وصورتها وحدود قدرتها على التكيف مع متغيرات الداخل والخارج. وبين بقاء نتنياهو أو رحيله، تبقى الحقيقة الأهم أن مرحلة سياسية كاملة باتت تقترب من نهايتها، حتى لو لم تُحسم الأسماء بعد.





شارك برأيك
نتنياهو من مركز السلطة إلى شبح سياسي غير مرغوب فيه دوليًا