تحليل

الجمعة 19 يونيو 2026 11:31 صباحًا - بتوقيت القدس

اتفاق واشنطن وطهران يكشف فشل الحرب الأميركية الإسرائيلية في تغيير موازين المنطقة





واشنطن-سعيد عريقات-19/6/2026


تحليل إخباري


في مشهد حمل دلالات سياسية وتاريخية لافتة، وقع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، في قصر فرساي بفرنسا مذكرة تفاهم مع إيران لإنهاء الأعمال العدائية بين البلدين، في خطوة بدت بالنسبة لكثير من المراقبين اعترافاً ضمنياً بفشل الحرب الأميركية الإسرائيلية في تحقيق أهدافها المعلنة أو إحداث التحولات الاستراتيجية التي سعت إليها واشنطن وتل أبيب عند بدء المواجهة.


وجرى التوقيع في قصر فرساي، الذي شهد قبل أكثر من قرن توقيع معاهدة السلام التي أنهت الحرب العالمية الأولى، في اختيار رمزي يعكس رغبة الأطراف في إضفاء طابع تاريخي على الاتفاق. وأظهرت لقطات مصورة ترمب وهو يوقع الوثيقة بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، فيما أعلن الرئيس الأميركي بعد التوقيع أن أسعار النفط تتراجع وأن الأسواق المالية تحقق مكاسب، معتبراً ذلك دليلاً على نجاح سياسته.


غير أن الاحتفاء الرسمي بالاتفاق لم يحجب موجة الانتقادات المتصاعدة من خبراء ومراقبين رأوا أن الحرب انتهت بنتائج تتناقض مع الأهداف التي رُفعت عند انطلاقها. فالإدارة الأميركية كانت قد قدمت المواجهة باعتبارها وسيلة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وتقليص نفوذ إيران الإقليمي وإجبارها على تقديم تنازلات جوهرية، إلا أن الاتفاق الجديد يشير إلى عودة واشنطن إلى طاولة المفاوضات من دون تحقيق تلك الأهداف بصورة واضحة.


وبحسب المعطيات المتوافرة، فإن ممثلين عن الولايات المتحدة وإيران كانا قد وقعا مذكرة التفاهم إلكترونياً قبل مراسم التوقيع الرسمية، لتبدأ مرحلة تفاوضية جديدة تمتد ستين يوماً، يفترض أن تبحث مستقبل البرنامج النووي الإيراني وقضايا الأمن الإقليمي والعلاقات الثنائية بين البلدين.


ويشير منتقدو الحرب إلى أن نتائجها الفعلية جاءت بعيدة عن التوقعات التي رافقت بدايتها. فإيران لم تشهد انهياراً سياسياً أو عسكرياً، كما لم تنجح العمليات العسكرية في تفكيك شبكة تحالفاتها الإقليمية أو تقويض قدرتها على التأثير في ملفات المنطقة. بل إن طهران تمكنت من الصمود خلال أشهر القتال، قبل أن تعود إلى المفاوضات وهي ما تزال لاعباً أساسياً في معادلات الشرق الأوسط.


وفي المقابل، خلفت الحرب تداعيات اقتصادية واسعة النطاق. فقد شهدت أسواق الطاقة العالمية اضطرابات حادة، وارتفعت تكاليف النقل والتأمين والشحن، كما تأثرت سلاسل التوريد الدولية وتراجعت توقعات النمو الاقتصادي في عدد من الاقتصادات الكبرى. ورغم حديث الإدارة الأميركية عن تحسن الأسواق عقب الاتفاق، فإن آثار الأزمة ما تزال ماثلة في الاقتصاد العالمي.


أما الكلفة الإنسانية، فتعد من أكثر جوانب الحرب إثارة للجدل. وتشير التقديرات إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى في إيران، فضلاً عن أضرار واسعة لحقت بالبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المدارس وشبكات المياه والمنشآت الخدمية. كما امتدت تداعيات الحرب إلى دول أخرى في المنطقة، خصوصاً لبنان، حيث أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى سقوط آلاف الضحايا ونزوح أعداد كبيرة من السكان.


ومن أبرز النتائج السياسية التي أفرزتها الحرب ما يعتبره مراقبون تراجعاً في الدور الإسرائيلي خلال المرحلة النهائية من المفاوضات. فالحكومة الإسرائيلية، التي دفعت بقوة نحو المواجهة مع إيران، وجدت نفسها في نهاية المطاف أمام اتفاق لم تكن طرفاً رئيسياً في صياغته، فيما لم يتحقق الهدف المتمثل في إضعاف إيران أو القضاء على نفوذ حلفائها الإقليميين.


ورغم أهمية مذكرة التفاهم، فإن القضية الأكثر حساسية ما تزال دون حل، وهي الملف النووي الإيراني. فالوثيقة تضع إطاراً عاماً للمفاوضات المقبلة، لكنها لا تتضمن تفاصيل حاسمة بشأن مستقبل التخصيب أو آليات الرقابة أو الضمانات المتبادلة. ولهذا السبب يرى خبراء أن الطريق نحو تسوية شاملة لا يزال طويلاً ومعقداً.


ويذهب بعض المحللين إلى أن المفارقة الأساسية تتمثل في أن الحرب انتهت بإعادة الأطراف إلى المسار الدبلوماسي الذي كان قائماً قبل اندلاعها. فبعد أشهر من المواجهة العسكرية والتصعيد المتبادل والخسائر البشرية والاقتصادية الهائلة، عادت واشنطن وطهران إلى التفاوض حول القضايا نفسها التي كانت مطروحة قبل الحرب، الأمر الذي يثير تساؤلات جوهرية حول جدوى الصراع الذي كان يمكن تفاديه عبر المسار السياسي منذ البداية.


فشل مشروع تغيير النظام


تكمن أهم دلالات الاتفاق في سقوط الهدف الذي رُفعت رايته منذ الأيام الأولى للحرب، وهو تغيير النظام الإيراني. فقد تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب أكثر من مرة عن إمكانية إحداث تغيير سياسي جذري في طهران، متبنياً رؤية طالما روج لها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. غير أن هذا الهدف اصطدم بوقائع التاريخ والجغرافيا والسياسة، إذ حذر العديد من كبار مستشاري ترمب وخبراء الأمن القومي من أن إسقاط النظام الإيراني بالقوة قد يقود إلى فوضى إقليمية واسعة وانهيار مؤسسات الدولة. وبعد أشهر من الحرب والدمار، انتهى المشروع بأكمله إلى مفاوضات مباشرة مع النظام نفسه الذي كان يفترض إسقاطه، ما يجعل من الحرب دليلاً على فشل نظرية تغيير الأنظمة بالقوة العسكرية.


نتنياهو أقنع واشنطن بحرب بلا أفق


تكشف نتائج الحرب حجم التأثير الذي مارسه نتنياهو في دفع الإدارة الأميركية نحو خيار عسكري لم يكن يحظى بإجماع داخل المؤسسة الأميركية. فقد استندت الحجة الإسرائيلية إلى فرضية أن الضربات العسكرية ستؤدي إلى انهيار النظام الإيراني أو إلى انتفاضة داخلية تطيح به، وهي فرضية لم تستند إلى أدلة واقعية بقدر ما اعتمدت على رهانات سياسية وأمنيات أيديولوجية. وقد نقلت تقارير عديدة وجود تحفظات داخل الدوائر الأمنية والعسكرية الأميركية حيال هذه المقاربة، إلا أن ترمب تبنى في النهاية الرؤية الإسرائيلية. واليوم، وبعد التوصل إلى اتفاق مع طهران، تبدو تلك النظرية أقرب إلى الوهم السياسي منها إلى الاستراتيجية المدروسة، فيما تتحمل المنطقة والعالم كلفة بشرية واقتصادية هائلة نتيجة هذا الرهان الفاشل.


عودة إلى الدبلوماسية بعد حرب غير ضرورية


المفارقة الكبرى أن واشنطن عادت في نهاية المطاف إلى النقطة التي كان يدعو إليها كثير من الدبلوماسيين والخبراء قبل اندلاع الحرب. فبدلاً من إسقاط النظام الإيراني أو فرض استسلامه، وجدت الإدارة الأميركية نفسها تتفاوض مع القيادة الإيرانية حول الملفات نفسها التي كانت مطروحة قبل المواجهة. وهذا يعزز الانطباع بأن الحرب لم تكن ضرورة استراتيجية بقدر ما كانت استجابة لرؤية تبناها نتنياهو وأقنع بها ترمب رغم التحفظات التي أبداها عدد من كبار مستشاريه. ومن هذه الزاوية، قد يُنظر إلى الاتفاق باعتباره إقراراً متأخراً بأن الدبلوماسية كانت الخيار الأكثر عقلانية منذ البداية، وأن الحرب لم تحقق سوى تأخير التسوية ورفع كلفتها الإنسانية والاقتصادية والسياسية على جميع الأطراف.

دلالات

شارك برأيك

اتفاق واشنطن وطهران يكشف فشل الحرب الأميركية الإسرائيلية في تغيير موازين المنطقة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.