بصراحة شديدة، فإننا ننتظر ونعمل ونعوّل على أشقائنا في مصر والسعودية والأردن والإمارات والمغرب أن يمارسوا أقصى ما يمكن من جهد سياسي ودبلوماسي واقتصادي من أجل إنقاذنا من النسيان أو الضياع أو التفتيت، أو من كل ذلك مجتمعاً. فإسرائيل، كما يبدو من سياساتها وممارساتها، ليست معنية بأي تسوية حقيقية بعيدة عن الضم أو التهجير أو الجمع بينهما إن استطاعت إلى ذلك سبيلاً. أما الإدارة الأميركية فلا تبدي اهتماماً جدياً بحل جذري وعادل بقدر ما تنشغل بإرضاء إسرائيل من جهة، وفرض شروط سياسية قاسية وتعجيزية على الفلسطينيين والعرب من جهة أخرى، بحيث يصبح أي تقدم في مسار التسوية مشروطاً بأثمان سياسية مرتفعة لا تتناسب مع طبيعة التسوية المقترحة ولا مع الحد الأدنى من العدالة.
أدّعي أن أمام الأشقاء العرب في هذه الدول الخمس فرصة تاريخية لا يجوز إهدارها، خصوصاً في ضوء التداعيات القريبة والبعيدة للحرب الإيرانية ـ الأميركية ـ الإسرائيلية. فقد كشفت هذه الحرب كثيراً من الحقائق التي كانت موضع جدل أو شك، وأظهرت أوضاعاً جديدة يمكن للعرب أن يبنوا عليها لحماية مصالحهم الوطنية والقومية في آن واحد.
لقد أظهرت الحرب حدود القوة الأميركية والإسرائيلية وعجزها عن فرض وقائع جديدة بصورة مطلقة أو رسم مستقبل المنطقة كما تشاء. كما أظهرت أن المنطقة لم تعد قابلة للانقياد الكامل لإرادة طرف واحد، وأن هناك قوى جديدة وقدرات ذاتية وفرصاً للتكتل والتنسيق والاصطفاف، حتى مع وجود تباينات واختلافات بين الدول العربية نفسها. كما دفعت هذه التطورات إلى ضرورة مراجعة الكثير من الحسابات والعلاقات والسياسات التي سادت خلال العقود الماضية.
وإذا كانت إيران قد استطاعت، حتى الآن على الأقل، أن تفرض بعض شروطها وأن تمنع تحقيق الأهداف الكاملة للحرب عليها، وإذا كانت إسرائيل لم تتمكن من فرض ما أرادته في أكثر من ساحة، فإن من حقنا أن نتطلع إلى موقف عربي أكثر حضوراً وفاعلية تجاه القضية الفلسطينية. نحن لا نطلب المستحيل، بل نأمل في شبكة أمان سياسية واقتصادية ودبلوماسية توفر الحد الأدنى من الحماية لشعبنا وحقوقه الوطنية.
وهذا الموقف ليس مطلوباً فقط من باب التضامن أو رفع الظلم والمعاناة عن الفلسطينيين، بل لأنه يخدم المصالح العربية نفسها على المدى القريب والبعيد. فالتهديد والابتزاز لا يتوقفان عند حدود فلسطين، وعدم الاستقرار لا يبقى محصوراً في مكان واحد. ومن هنا فإن تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بصورة عادلة تشكل مدخلاً ضرورياً لمعالجة واحد من أهم أسباب التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة كلها.
أما الرهان المطلق على الولايات المتحدة أو على ما يسمى بالمجتمع الدولي، فقد أثبتت التجارب المتراكمة أنه رهان محدود النتائج. بل إن ما جرى خلال السنوات الأخيرة، وما كشفت عنه الحرب الأخيرة تحديداً، يدفع إلى إعادة قراءة الخريطة السياسية الجديدة بعين أكثر واقعية وأكثر استقلالاً.
إن مصر والسعودية والأردن والإمارات والمغرب تمتلك مجتمعة ما يكفي من الخبرة والاعتدال والقدرة على الحركة والتأثير. وتمتلك كذلك إمكانات سياسية واقتصادية وعلاقات دولية واسعة تؤهلها لأن تشكل محوراً عربياً حقيقياً قادراً على ملء الفراغ، والإجابة عن الأسئلة الصعبة، ومواجهة التحديات والتهديدات المتزايدة.
بعد الحرب الإيرانية ـ الأميركية ـ الإسرائيلية، يمكن القول إن الوقت قد حان لمرحلة جديدة من التسويات وإعادة ترتيب الأولويات. ونحن لا نريد أن نكون مرة أخرى الطرف الذي يدفع الثمن وحده. نريد تسوية عادلة تحفظ الحقوق وتصون الكرامة وتحقق الاستقرار للجميع. فمصالح العرب تلتقي مع مصالح الفلسطينيين أكثر مما يظن البعض، والدفاع عن فلسطين هو، في جانب مهم منه، دفاع عن مستقبل المنطقة كلها.
أقلام وأراء
الإثنين 22 يونيو 2026 11:05 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
دول عربية خمسة مؤهلة وقادرة