كشفت مصادر مطلعة أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يعتزم البدء في تقليص تواجده العسكري داخل الأراضي اللبنانية خلال الأيام القليلة المقبلة. وتأتي هذه الخطوة بعد إعلان الجيش إنهاء مهام عسكرية هجومية محددة، معتبراً أنه لم تعد هناك ضرورة عملياتية لإبقاء أعداد كبيرة من الجنود في المناطق التي توغل فيها.
تتزامن هذه التحركات الميدانية مع حالة من الترقب والقلق تسود الأوساط السياسية في تل أبيب جراء المفاوضات الجارية في سويسرا بين واشنطن وطهران. ورغم المحاولات الرسمية للتقليل من شأن هذه المباحثات، إلا أن التقارير تشير إلى أنها تتركز بشكل أساسي على إنهاء الحالة العدائية في الجبهات كافة، ولا سيما الجبهة اللبنانية.
في المقابل، تبرز تصريحات متضاربة داخل حكومة الاحتلال تعكس حالة من الإرباك؛ حيث أكد وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن إسرائيل لن تنسحب من مواقع استراتيجية مثل قلعة الشقيف ومحيطها. وتعبر هذه المواقف عن تيار يرفض تقديم أي تنازلات ميدانية قبل ضمان ترتيبات أمنية صارمة تلبي الشروط الإسرائيلية.
من جانبه، دعا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى رفض أي اتفاق لوقف إطلاق النار أو فرض قيود على تحركات الجيش الإسرائيلي في لبنان. ووصف بن غفير الدولة اللبنانية بأنها داعمة للإرهاب، مشدداً على ضرورة إبقاء كامل الأراضي اللبنانية ساحة مفتوحة للعمليات العسكرية الإسرائيلية دون قيود دولية.
ويرى مراقبون أن الانسحاب الوشيك من مناطق شمال الليطاني يمثل خطوة استباقية تهدف إلى تخليص إسرائيل من مأزق استراتيجي متزايد. ويبدو أن القيادة الإسرائيلية تخشى من فرض الإدارة الأمريكية لاتفاق يضطرها للانسحاب الكامل، خاصة مع تسرب معلومات عن آلية عمل أمريكية إيرانية لمنع الصدامات.
وتراقب الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بقلق مخرجات جولة المفاوضات في سويسرا، لا سيما بعد تصريحات متفائلة من مسؤولين إيرانيين وأمريكيين حول تقدم جوهري. وتخشى تل أبيب من أن يؤدي أي اتفاق إلى الإفراج عن أموال مجمدة لإيران، وفقدان أوراق الضغط المتعلقة بملفي النووي والصواريخ الباليستية.
وأشار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى أن وساطة قطرية وباكستانية ساهمت في صياغة خريطة طريق لمفاوضات تستمر ستين يوماً لتحديد شكل الاتفاق النهائي. هذا التقدم الدبلوماسي يضع إسرائيل أمام ضغوط دولية متزايدة للقبول بتسوية سياسية تنهي حرب الاستنزاف القائمة على حدودها الشمالية.
إسرائيل تقف اليوم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما إبقاء جيشها في لبنان وسط حالة نزيف، وإما الانسحاب والظهور بصورة الهارب الخاسر.
داخلياً، تتصاعد الضغوط على حكومة نتنياهو بسبب الثمن الباهظ لاستمرار العمليات العسكرية في جنوب لبنان وتزايد الخسائر البشرية. ويحذر خبراء من أن الجيش الإسرائيلي بدأ يكرر أخطاء الماضي عبر التورط في حرب عصابات طويلة الأمد تستنزف قدرات الجنود وتؤجج الغضب الشعبي.
وفي سياق متصل، كشفت تقارير صحفية عن أزمة نفسية حادة تضرب صفوف الإسرائيليين، حيث ارتفع عدد المصابين بأزمات نفسية رسمياً إلى نحو 70 ألف شخص. هذا الارتفاع الهائل من 7 آلاف قبل أكتوبر يعكس حجم الصدمة المجتمعية وتأثير الحروب المتعددة على الجبهة الداخلية.
ويقترح محللون عسكريون في تل أبيب 'خطة إنقاذ' تهدف إلى تحاشي الصدام المباشر مع إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب. وتتضمن المقترحات مطالبة واشنطن بالضغط على طهران لفرملة حزب الله، مقابل مرونة إسرائيلية في ملف وقف إطلاق النار والانسحاب التدريجي.
كما تبرز دعوات لتعزيز دور الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني ليكونوا طرفاً في أي اتفاق مستقبلي، بدلاً من ترك الساحة لإيران وحزب الله لفرض شروطهما. ويهدف هذا التوجه إلى ضمان أن يكون الانسحاب الإسرائيلي جزءاً من ترتيب سياسي دولي يحفظ ماء وجه الاحتلال.
وانتقد الجنرال داني سترينوفيتش غياب التفكير الاستراتيجي المدروس في التعامل مع الأزمة اللبنانية، واصفاً القرارات الحالية بأنها تعتمد على الحدس والارتجال. وأكد أن الاعتماد المفرط على القوة العسكرية لن يحل المشاكل السياسية المعقدة المرتبطة بالنفوذ الإيراني في المنطقة.
ويرى سترينوفيتش أن السلوك الإسرائيلي الحالي ساهم في تعزيز مكانة حزب الله وإيران كطرفين وحيدين قادرين على فرض وقف إطلاق النار. وكان من المفترض، حسب رؤيته، منح الحكومة اللبنانية إنجازات تعزز مكانتها كبديل سياسي، بدلاً من إضعافها عبر العمليات العسكرية المستمرة.
في نهاية المطاف، تجد إسرائيل نفسها بين خيارين صعبين؛ فإما البقاء في حالة نزيف مستمر في الجنوب اللبناني، أو الانسحاب إلى 'الخط الأصفر' والظهور بمظهر الطرف المنكسر. ويبدو أن قرار تقليص القوات هو محاولة للمناورة بين هذه الضغوط الميدانية والسياسية المتلاحقة.





شارك برأيك
تحركات إسرائيلية لتقليص القوات في لبنان وسط ترقب لمخرجات مفاوضات سويسرا