تصاعدت حدة الانتقادات داخل الأوساط السياسية والإعلامية في إسرائيل ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حيث اتهمته المعارضة بمحاولة تزييف الحقائق والتستر على إخفاقاته المتلاحقة في إدارة الجبهات المتعددة. وجاءت هذه الموجة عقب مؤتمر صحافي عقده نتنياهو مؤخراً، حاول خلاله تسويق رواية الانتصار رغم العزلة التي تعيشها تل أبيب في ظل التفاهمات الأمريكية الإيرانية الجديدة.
وأفادت مصادر بأن نتنياهو استبدل مصطلح 'النصر المطلق' بعبارة 'أبعدنا خطر الإبادة'، في محاولة للهروب من استحقاقات الفشل الميداني والسياسي. وقد ظهر الارتباك واضحاً في لغة جسده وهو يحاول إقناع الجمهور الإسرائيلي بأن مكانة إسرائيل وقوة ردعها أصبحت أفضل مما كانت عليه قبل أحداث السابع من أكتوبر، وهو ما قوبل بسخرية واسعة من المحللين.
واعترف رئيس الحكومة الإسرائيلية صراحةً بأنه تم تهميش إسرائيل في المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، مشيراً إلى أن حليفه الاستراتيجي دونالد ترامب لم يطلعه على تفاصيل الاتفاق المقرر توقيعه في جنيف. هذا الاعتراف عزز المخاوف الداخلية من فقدان إسرائيل لتأثيرها التاريخي على القرار الأمريكي فيما يخص الملف النووي الإيراني.
في سياق متصل، تسود حالة من القلق والاستياء بين الإسرائيليين وهم يراقبون تقارب ترامب مع النظام الإيراني ورغبته المعلنة في لقاء المرشد الأعلى. ويرى مراقبون أن المليارات التي ستتدفق على الخزينة الإيرانية بموجب الاتفاق ستعزز من قوة طهران الإقليمية، دون أن تلتزم الأخيرة بإخراج اليورانيوم المخصب من أراضيها.
وعلى صعيد الجبهة الشمالية، تثير تصريحات ترامب حول ضرورة الحديث مع حزب الله للتوصل إلى اتفاق في لبنان مخاوف تل أبيب من انسحاب تدريجي دون تفكيك سلاح الحزب. هذا التوجه الأمريكي ينذر بنجاح إيران في استراتيجية 'ربط الساحات'، وهو ما تعتبره الأوساط العسكرية الإسرائيلية فشلاً ذريعاً في تحقيق أهداف الحرب المعلنة.
من جانبه، شن رئيس حكومة الاحتلال السابق نفتالي بينيت هجوماً لاذعاً على نتنياهو، متهماً إياه بتقديم مصالحه الشخصية على القضايا القومية الكبرى. وكشف بينيت أن نتنياهو كان يطلب من ترامب التدخل لدى الرئاسة الإسرائيلية لمنحه عفواً قضائياً، بدلاً من التركيز على التهديدات الوجودية التي تواجهها الدولة.
ووصف بينيت تصريحات نتنياهو بشأن 'خطر الفناء' بأنها أكاذيب خطيرة تهدف إلى ترهيب المجتمع الإسرائيلي وربط بقاء الشعب بوجوده في السلطة. وأكد أن هذه السياسة تضعف الروح المعنوية وتخدم الأجندة السياسية الضيقة لنتنياهو عشية انتخابات الكنيست المقبلة، محذراً من تداعيات هذا الخطاب على التماسك الداخلي.
نتنياهو قدم خطاباً محشواً بالكذب بدا فيه منفصماً عن الواقع، متجاهلاً الفجوة بين إسرائيل ما قبل 7 أكتوبر وواقعها الأمني والسياسي اليوم.
وفي الجانب التقني والأمني، نقلت مصادر إعلامية عن خبراء وعلماء ذرة إسرائيليين تحذيراتهم من خطورة 'هدنة الستين يوماً' الممنوحة لإيران. ويرى هؤلاء أن طهران قد تستغل هذه الفترة لتحقيق اختراق نووي نهائي، معتبرين أن الاتفاق الحالي أسوأ بكثير من اتفاق عام 2015 الذي عارضه نتنياهو بشدة في السابق.
وأشار المحلل العسكري ألون بن دافيد إلى أن المنطقة تشهد 'انقلاباً دراماتيكياً' في موازين القوى، حيث تحولت إيران إلى اللاعب الأهم في الشرق الأوسط. هذا التحول يأتي في وقت تتراجع فيه الهيمنة الإسرائيلية، مما يعكس فشل الاستراتيجية التي اتبعها نتنياهو طوال السنوات الماضية في احتواء النفوذ الإيراني.
بدوره، وصف المحلل بن كاسبيت خطاب نتنياهو بأنه 'منفصم عن الواقع'، مشيراً إلى اختفاء نبرة الغطرسة واستبدالها بوعود هلامية حول 'تحييد التهديدات'. وأكد كاسبيت أن الفجوة بين الواقع الأمني المتردي وبين تصريحات رئيس الوزراء أصبحت غير قابلة للردم، مما يفقد الجمهور الثقة في القيادة السياسية.
وحذر المحلل العسكري عاموس هارئيل من أن الاتفاقية مع إيران قد تكون كارثية وتوازي في خطورتها أحداث أكتوبر، خاصة إذا استمر تضليل الرأي العام. وتوقع هارئيل أن تشتعل الجبهة اللبنانية بشكل أكبر في حال استمرار نتنياهو في سياسة الهروب إلى الأمام، مما قد يؤدي إلى صدام وشيك مع الإدارة الأمريكية.
وكشفت مصادر عسكرية عن وجود شعور ثقيل بالإحباط داخل أروقة الجيش الإسرائيلي بسبب ضياع المكاسب الميدانية في لبنان دون ترجمتها إلى إنجاز دبلوماسي ملموس. وتطالب المؤسسة الأمنية المستوى السياسي بتغيير الاتجاه فوراً، محذرة من أن الوضع في لبنان لا يزال متفجراً وقابلاً للاشتعال في أي لحظة.
وفي قراءة أكاديمية، اعتبر الدكتور ميخائيل ميليشتاين أن الاتفاق الجديد يعيد إسرائيل إلى 'حجمها الطبيعي' بعد سنوات من المبالغة في تقدير القوة. وأرجع ميليشتاين الفشل الإسرائيلي إلى الرهان المطلق على القوة العسكرية والتبعية الكاملة لواشنطن، دون وجود رؤية سياسية شاملة تتعامل مع تعقيدات المنطقة.
وخلصت التحليلات الإسرائيلية إلى أن الجهل بحقيقة الواقع الإيراني والقدرة على إدارة المفاوضات ببراعة كانا من أسباب تفوق طهران في هذه الجولة. ويبدو أن تل أبيب تدفع الآن ثمن استخفافها بقدرات خصومها، في ظل إدارة أمريكية بدأت تبحث عن مصالحها الخاصة بعيداً عن الرغبات الإسرائيلية المتشنجة.





شارك برأيك
عاصفة انتقادات تضرب نتنياهو: اتهامات بالكذب والفشل في مواجهة الاتفاق الأمريكي الإيراني