كشفت تقارير صحفية بريطانية عن تفاصيل مثيرة تتعلق بوحدة استخباراتية سرية تعمل تحت إشراف وزارة الداخلية، تهدف إلى التحكم في ردود فعل المواطنين تجاه جرائم الكراهية والحوادث ذات الطابع العنصري. وتعرف هذه الوحدة باسم 'وحدة البحث والمعلومات والاتصالات'، وهي تسمية بيروقراطية وُصفت بأنها غطاء لعمليات معقدة تهدف إلى هندسة الوعي العام وتوجيه السرديات الإعلامية بما يخدم استقرار السلطات.
وأشار التقرير إلى أن هذه الوحدة، التي تضم جواسيس وخبراء وجنوداً، نشطت بشكل مكثف خلال الاحتجاجات وأعمال العنف المناهضة للهجرة التي شهدتها مدينة بلفاست مؤخراً. وتعمل الوحدة في الخفاء للسيطرة على التوترات الاجتماعية عبر أدوات تتنوع بين نشر الأخبار الموجهة واستخدام عملاء ميدانيين للتأثير على المشاعر العامة في مواقع الأحداث الساخنة.
وتعود جذور هذه الوحدة إلى عام 2007، حيث أسسها الضابط السابق في جهاز الاستخبارات البريطاني تشارلز فار، كجزء من استراتيجية 'بريفنت' لمكافحة الإرهاب. ورغم أن هدفها الأولي كان مواجهة دعاية التنظيمات المتطرفة مثل القاعدة، إلا أن نفوذها توسع ليشمل التدخل في صياغة الخطاب الرسمي والتحكم في كيفية تناول القضايا الحساسة المتعلقة بالتعددية الثقافية.
ومن بين الأساليب المثيرة للجدل التي تتبعها الوحدة، قيام عملاء سريين بوضع الزهور في مواقع الهجمات الإرهابية لإضفاء طابع من الحزن ومنع تصاعد مشاعر الغضب الشعبي. كما كشفت المصادر عن قيام الوحدة بتمويل فرق موسيقية بشكل سري لتأدية أغانٍ مناهضة للتطرف داخل المدارس، في محاولة للتأثير على القناعات الفكرية للشباب بطرق غير مباشرة.
وفي أحداث أيرلندا الشمالية الأخيرة، قدمت الوحدة نصائح تقنية للشرطة حول كيفية 'التحكم في السردية' وتصوير المحتجين كدعاة عنف لا يستحقون التعاطف الشعبي. وتعمل الوحدة بالتنسيق مع استخبارات الشرطة لتحديد هوية المحرضين عبر الإنترنت وصياغة بيانات إعلامية تهدف إلى امتصاص الاحتقان الناتج عن حوادث الطعن أو القتل المرتبطة بالمهاجرين.
وتواجه الوحدة انتقادات حادة من داخل الحكومة البريطانية، حيث يصفها بعض المسؤولين بأنها باتت 'خارجة عن السيطرة' وتهدد قيم حرية التعبير. وقد تجلى ذلك في ضغوطها لتسجيل 'حوادث الكراهية غير الجنائية'، وهو إجراء يمنع الأفراد من التعبير عن آرائهم في قضايا العرق والدين، قبل أن تضطر الحكومة لإلغائه تحت ضغط سياسي.
وتشير الوثائق إلى أن الوحدة تدخلت بشكل مباشر بعد هجمات جسر لندن عام 2017، حيث وزع عملاؤها الزهور لبث أجواء التضامن ومنع ردود الفعل الانتقامية ضد الجاليات المسلمة. كما استخدمت الوحدة أساليب مشابهة بعد إعدام عامل الإغاثة آلان هينينغ، عبر ترويج صور رمزية في وسائل الإعلام تهدف إلى تعزيز الهوية الوطنية المشتركة في مواجهة التطرف.
الاسم البيروقراطي للوحدة ليس سوى جزء من عملية تمويه تخفي طبيعة عملها القائم على الخداع والتضليل للتعامل مع تحديات التعددية الثقافية.
وفي واقعة أخرى، موّلت الوحدة وكالة علاقات عامة لإبراز دور إمام مسجد فنسبيري بارك في حماية مهاجم متطرف من غضب الحشود عام 2017. ويهدف هذا النوع من التدخل إلى تسليط الضوء على نماذج إيجابية تساهم في تهدئة الشارع، لكنه يثير تساؤلات حول مدى أخلاقية التدخل الاستخباراتي في صناعة الخبر الصحفي.
كما تقف الوحدة وراء حملات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي مثل وسم #WeStandTogether، الذي شارك فيه كبار السياسيين والمسؤولين الأمنيين دون الإفصاح عن مصدر الحملة الحقيقي. وتستخدم الوحدة هذه المنصات للتسلل إلى النقاشات داخل المجتمعات المستهدفة وتغيير مسار الحوارات العامة بما يتماشى مع الأهداف الأمنية للدولة.
وانتقد السير ويليام شوكروس، في مراجعة لبرنامج 'بريفنت' عام 2023، توجهات الوحدة، معتبراً أنها تركز جهودها على ملاحقة اليمين المتطرف بشكل يفوق اهتمامها بالتهديدات القادمة من الجماعات الإسلامية المتطرفة. هذا التباين في الاستهداف أثار حفيظة سياسيين محافظين اعتبروا أن الموارد تُهدر في ملاحقة الخصوم السياسيين بدلاً من المجرمين.
من جانبه، اتهم الوزير السابق السير جاكوب ريس-موغ الوحدة بالانحراف عن مسارها المهني والتركيز على مراقبة وتوجيه سلوك السياسيين المنتخبين. ويرى منتقدون أن استمرار عمل هذه الوحدة في الظل يمنحها سلطة غير خاضعة للمساءلة القانونية أو البرلمانية، مما يجعلها أداة لفرض رقابة ناعمة على المجتمع البريطاني.
ورغم هذه الاتهامات، تصر الوحدة على أن دورها حيوي في حماية النسيج الاجتماعي من الجماعات اليمينية التي تستغل قضايا حساسة، مثل عصابات الاستغلال الجنسي، لإثارة الكراهية. وتدعي الوحدة أن تدخلاتها ضرورية لمنع الانزلاق نحو حرب أهلية أو اضطرابات عرقية واسعة النطاق قد تهدد الأمن القومي للمملكة المتحدة.
وفي رد رسمي مقتضب، ذكر متحدث باسم وزارة الداخلية أن الوحدة تقدم تحليلات استراتيجية حول كيفية استغلال المتطرفين للإنترنت لنشر دعاياتهم الهدامة. ورفض المتحدث التعليق على تفاصيل العمليات السرية أو الأساليب الميدانية التي تتبعها الوحدة، مؤكداً أن عملها يصب في إطار المنظومة العامة لمكافحة الإرهاب.
ويبقى الجدل قائماً حول الحدود الفاصلة بين حماية الأمن القومي وبين التلاعب بالوعي الجمعي وتقييد الحريات العامة، في ظل تزايد الاعتماد على 'القوة الناعمة' الاستخباراتية. وتكشف هذه التسريبات عن عمق التغلغل الأمني في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين البريطانيين، وكيفية صناعة 'الإجماع الوطني' عبر غرف مغلقة في وستمنستر.





شارك برأيك
كشف وحدة استخباراتية بريطانية سرية لـ 'هندسة الوعي' والتحكم في الرأي العام