عربي ودولي

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 9:20 صباحًا - بتوقيت القدس

في حدث تاريخي.. السيمفونية السورية لمالك جندلي تصدح في كاتدرائية واشنطن الوطنية

شهدت كاتدرائية واشنطن الوطنية حدثاً فنياً استثنائياً تمثل في عزف السيمفونية السورية الخامسة للموسيقار السوري مالك جندلي، ليكون بذلك أول مؤلف عربي تنال أعماله هذا الاعتراف الفني في أحد أكبر الصروح الروحية والوطنية في الولايات المتحدة. أقيمت الأمسية بحضور نخبة من الدبلوماسيين والمثقفين والجالية السورية، وسط تغطية إعلامية واسعة احتفت بهذا المنجز الحضاري الذي يجسد تلاقي الشرق والغرب.

تولت أوركسترا جامعة نورث كارولاينا للفنون تنفيذ العمل بقيادة المايسترو جيمي آلبرتين، وهي المفارقة التي أضفت لمسة وفاء على الحفل، كون جندلي أحد خريجي هذه الجامعة المرموقة التي احتضنت موهبته في بداياته بمنحة دراسية كاملة. وقد أثبت العرض قدرة الموسيقى على تجاوز الحدود الجغرافية، حيث امتزجت الألحان المستوحاة من العمق السوري مع الطراز القوطي للكاتدرائية التي اعتادت استضافة أعمال كبار الموسيقيين العالميين مثل باخ وبيتهوفن.

تعد السيمفونية الخامسة جزءاً من مشروع جندلي الطموح الذي يضم ثماني سيمفونيات، وقد سبق تسجيلها في فيينا بقيادة المايسترو مارين ألسوب. ويأتي هذا العرض ضمن سلسلة فعاليات دولية تشمل مدناً مثل لايبزيغ وبودابست، مما يعزز مكانة الموسيقى السورية المعاصرة في المحافل الدولية الكبرى، ويؤكد على عالمية اللغة الموسيقية التي يتقنها جندلي في صياغة هويته الفنية.

اعتمد جندلي في بناء سيمفونيته على توظيف معقد للمقامات الشرقية والتراث السوري بأسلوب أكاديمي رصين يتماشى مع نظريات الهارموني الكلاسيكي. ولم يكتفِ بتقديم الموسيقى كقالب إثني، بل أعاد صياغة المقام العربي ليحاور لغة كبار المؤلفين مثل مالر وشوستاكوفيتش، مما خلق صوتاً فريداً يحافظ على الهوية السورية دون أن يفقد بريق الحداثة الموسيقية العالمية.

تتألف السيمفونية من أربع حركات متنوعة، استلهمت الحركة الأولى منها ثيمات من الموشح الحلبي القديم 'اسق العطاش' وسماعي سوري قديم، حيث تفاعلت هذه الألحان في قالب 'السوناتا' لتنتج دفقات شعورية قوية. وتبرز هذه الحركة قدرة المؤلف على تحويل التراث الصوفي والديني إلى لغة سيمفونية عالمية تخاطب الوجدان الإنساني بمختلف خلفياته الثقافية.

في الحركة الثانية، انتقل الجمهور إلى أجواء 'النوكتيرن' الحالمة التي تعكس التأمل والهدوء، مستمدة إلهامها من سماعي حسيني وتجربة ذاتية للمؤلف في جبال سموكي الأمريكية. بينما جاءت الحركة الثالثة بقالب 'الاسكرتسو' السريع والحيوي، معتمدة على عنصر المفاجأة والإيقاع النشط المستقى من سماعي محير، مما أضفى توازناً درامياً بين الهدوء والاندفاع في بنية العمل.

اختتمت السيمفونية بحركتها الرابعة التي استلهمت تقنيات من مدرسة مالر، معتمدة على سماعي هزام قديم وتصاعد أوركسترالي مهيب قاد المستمعين إلى ذروة العمل. وقد تخللت السيمفونية انفرادات شجية لآلات التشيللو والأوبوا والباصون، مما عكس ثراء التوزيع الأوركسترالي وقدرة جندلي على توظيف كافة مجموعات الآلات الموسيقية لإيصال رسالته الفنية.

يحمل مشروع مالك جندلي أبعاداً تتجاوز الفن الصرف، إذ يسعى من خلال موسيقاه إلى توثيق آلام وآمال الشعب السوري، وتحويل نداءات الحرية إلى سيمفونيات خالدة. وقد كرس جندلي أعماله لتكريم ضحايا الحرب والنساء السوريات، مؤمناً بأن الفن الصادق يمتلك قوة خارقة قادرة على تغيير السرديات النمطية عن العرب والمسلمين وتقديم صورة مشرقة عن حضارتهم العريقة.

في ختام الحفل، صعد جندلي إلى المسرح وسط تصفيق حار، موجهاً رسالة أمل بمستقبل يسوده السلام في وطنه الأم، معبراً عن حلمه بعزف هذه السيمفونيات في ساحات حمص ودار الأوبرا بدمشق. ويمثل هذا العرض في واشنطن اعترافاً دولياً بقدرة المبدع العربي على المنافسة في أصعب الميادين الفنية، محققاً توازناً استراتيجياً ثقافياً يربط بين جذور أوغاريت وآفاق المستقبل العالمي.

دلالات

شارك برأيك

في حدث تاريخي.. السيمفونية السورية لمالك جندلي تصدح في كاتدرائية واشنطن الوطنية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.