تغرق طهران وواشنطن في مأزق سياسي معقد يتسم بحالة من 'لا سلام ولا حرب'، وذلك مع تعثر المساعي الدبلوماسية الرامية لإطلاق محادثات السلام بين الطرفين. ويأمل كل جانب في الصمود لفترة أطول من الآخر، في مواجهة تحمل عواقب وخيمة قد تطال استقرار الاقتصاد العالمي بشكل مباشر.
وتشير القراءات التحليلية إلى أن المسؤولين في إيران يبدون ثقة حذرة في قدرتهم على تحمل التداعيات الاقتصادية الراهنة لفترة تتجاوز قدرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الانتظار. ومع ذلك، يسود القلق في الأوساط الإيرانية من البقاء في حالة جمود تجعل البلاد عرضة لتهديدات مستمرة بضربات أمريكية أو إسرائيلية مفاجئة.
ووصف ساسان كريمي، المسؤول الإيراني السابق والأكاديمي في جامعة طهران، المشهد الحالي بأنه يشبه نهايات الحروب القصيرة التي تفتقر إلى ضمانات دائمة. وأوضح أن ما يحدث حالياً هو توقف للعمليات العسكرية دون الوصول إلى إطار سياسي يضمن عدم تجدد الصراع في أي لحظة.
من جانبها، اعتبرت صحيفة 'خراسان' المحافظة أن الوضع الراهن يمثل 'جموداً استراتيجياً' ينطوي على مخاطر جسيمة قد تفوق مخاطر المواجهة العسكرية المباشرة. وأشارت الصحيفة إلى أن تراجع الطرفين عن خيار الحرب الشاملة لم يتبعه تخلٍ عن منطق الضغوط القصوى واستخدام القوة.
وتعكس الجهود المتعثرة لإعادة إطلاق محادثات وقف إطلاق النار، التي تتوسط فيها باكستان، تعقيدات المشهد الميداني والسياسي الذي تلا القصف المتبادل الأخير. ويدعي كل طرف امتلاكه لموقف تفاوضي متفوق، مما يعيق الوصول إلى حلول وسط تنهي حالة التوتر المتصاعد في المنطقة.
وفي خطوة تصعيدية، قرر الرئيس ترامب إلغاء إرسال مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد. وبرر ترامب هذا القرار بأن الجانب الإيراني يسعى لإضاعة الوقت، مما يعكس فجوة الثقة العميقة التي تفصل بين البيت الأبيض وطهران.
في المقابل، يتمسك كبار المسؤولين في إيران بموقفهم الرافض لعقد أي اجتماعات مباشرة قبل رفع الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية. وتعتبر طهران أن هذا الحصار، الذي تم تشديده بعد وقف إطلاق النار الأخير، يمثل خرقاً للتفاهمات الأولية وعائقاً أمام أي تقدم دبلوماسي.
الوضع الراهن قد يكون أخطر من الحرب قصيرة الأجل نفسها، حيث تراجع الطرفان عن تكلفة المواجهة الشاملة دون تجاوز منطق القوة.
وعلى الرغم من هذا الجمود، يقود وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تحركات دبلوماسية مكثفة شملت زيارات لباكستان وسلطنة عمان، مع خطط للتوجه إلى روسيا. وتهدف هذه التحركات إلى التنسيق مع القوى الإقليمية والدولية لضمان تأمين ممرات الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي.
ويرى مراقبون أن التنسيق مع سلطنة عمان يعد أمراً حيوياً للجانب الإيراني، نظراً لموقعها الجغرافي المطل على المضيق ودورها التقليدي كوسيط. ويحاول الإيرانيون بناء جبهة إقليمية تدعم مطالبهم بإنهاء الحصار البحري مقابل تقديم تنازلات تتعلق بأمن الملاحة الدولية.
وحث خبراء سياسيون في طهران القيادة الإيرانية على ضرورة وضع إطار عمل شامل لاتفاق محتمل يتضمن مطالب واضحة ورؤية لميثاق سلام إقليمي. وحذر هؤلاء من أن النهج السياسي المحافظ الحالي قد يحمل إيران مسؤولية الفشل المستقبلي في حال انهيار حالة التهدئة الهشة.
أما على الصعيد الاقتصادي، فتعول إيران على أن الاضطرابات في مضيق هرمز ستكون تكلفتها على الإدارة الأمريكية أكبر من تكلفتها على الداخل الإيراني. ويرى محللون اقتصاديون أن تعطل صادرات النفط والأسمدة قد يسبب صدمات عالمية تدفع واشنطن لتسريع وتيرة المفاوضات خلال أسابيع.
ورغم هذه الرهانات، يواجه الاقتصاد الإيراني أزمة طاحنة تتمثل في نقص حاد في الأدوية والمنتجات البتروكيماوية، بالإضافة إلى موجة تسريحات واسعة للعمال. وتتوقع تقارير اقتصادية محلية أن يقفز معدل التضخم السنوي إلى مستويات قياسية تتراوح بين 70% و120% في حال استمرار الانسداد السياسي.
وتشير التقديرات إلى أن النظام الإيراني يمتلك هوامش مناورة اقتصادية تمكنه من الصمود لفترة تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر كحد أقصى. وتعتمد هذه المدة على مدى قدرة الحكومة على إدارة الموارد المتاحة وتجنب الانزلاق نحو التضخم المفرط الذي قد يهدد الاستقرار الداخلي.
ويبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة الطرفين على الاستمرار في هذه اللعبة الخطرة دون الانزلاق مجدداً نحو المواجهة العسكرية. فبينما تظل إيران عرضة للمخاطر الاستراتيجية في غياب اتفاق رسمي، يواجه ترامب ضغوطاً دولية متزايدة لتأمين إمدادات الطاقة العالمية ومنع انفجار الأوضاع.





شارك برأيك
مأزق 'لا حرب ولا سلام': واشنطن وطهران في صراع إرادات فوق صفيح ساخن