أصدرت السلطات القضائية في مدينة وهران حكماً غيابياً يقضي بحبس الروائي الجزائري الحاصل على الجنسية الفرنسية، كمال داود، لمدة ثلاث سنوات نافذة. وتضمن الحكم الصادر عن محكمة 'فلاوسن' فرض غرامة مالية باهظة تصل قيمتها إلى خمسة ملايين دينار جزائري، وذلك على خلفية القضية التي باتت تُعرف في الأوساط المحلية والدولية باسم 'فضيحة حوريات'.
وتعود تفاصيل الأزمة القضائية إلى دعوى رفعتها المواطنة الجزائرية سعادة عربان، التي اتهمت فيها الكاتب باستغلال تفاصيل دقيقة وحساسة من حياتها الشخصية ومأساتها إبان 'العشرية السوداء'. وادعت المشتكية أن داود وظّف هذه المعلومات في بناء أحداث روايته الأخيرة 'حوريات' دون الحصول على موافقة مسبقة منها، مما اعتبرته انتهاكاً صارخاً لخصوصيتها.
وأوضحت المشتكية في مسار التحقيقات أنها كانت تتلقى علاجاً نفسياً في أحد المستشفيات المتخصصة بمدينة وهران، حيث كانت تعمل زوجة الكاتب كطبيبة نفسية مشرفة على حالتها. وزعمت عربان أن ملفها الطبي السري قد سُلم للكاتب بطريقة غير قانونية، مما مكنه من الاطلاع على تفاصيل جروحها الجسدية والنفسية واستخدامها كمادة أدبية في عمله الروائي.
من جانبه، نفى الكاتب كمال داود هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً في تصريحات أدلى بها لوسائل إعلام فرنسية، مؤكداً أن روايته هي محض خيال أدبي ولا تستند إلى شخصية بعينها. وأشار داود إلى أن التشابه في الإصابات الجسدية لا يعني بالضرورة سرقة قصة حياة المشتكية، معتبراً أن مئات الضحايا يحملون ندوباً مشابهة نتيجة أحداث العنف التي شهدتها البلاد سابقاً.
واعتبر داود أن ملاحقته القضائية تأتي في سياق سياسي مرتبط بتطبيق القوانين الخاصة بميثاق السلام والمصالحة الوطنية في الجزائر. وأكد الكاتب أن الهدف من هذه الدعوى هو محاولة 'اغتيال معنوي' لمسيرته الأدبية والتشهير بعائلته، مشدداً على أن الأدوات الطبية والندوب المذكورة في الرواية ليست أسراراً طبية بل هي وقائع عامة يعرفها الجميع.
باستثناء الجرح الظاهر، لا توجد أي نقطة مشتركة بين مأساة هذه المرأة الصعبة وبطلة الرواية.. الجرح ليس فريداً من نوعه.
وكانت المحامية فاطمة الزهراء بن براهم قد بدأت إجراءات التقاضي في ديسمبر من عام 2024، حين تقدمت بشكويين رسميتين ضد الكاتب وزوجته الطبيبة. واتهمت المحامية الطرفين بالتواطؤ لاستغلال معاناة موكلتها في عمل أدبي حقق مبيعات ضخمة ونال جائزة 'غونكور' المرموقة في فرنسا، وهو ما اعتبرته استثماراً غير أخلاقي في آلام الضحايا.
وأشارت تقارير قانونية إلى أن قاضي التحقيق في محكمة وهران كان قد استدعى الأطراف المتنازعة للمواجهة في وقت سابق من نهاية عام 2024. وقد تضمنت لائحة الاتهام الموجهة لداود تهمة إفشاء أسرار مهنية بالتعاون مع زوجته، بالإضافة إلى استخدام بيانات شخصية حساسة دون تصريح، وهو ما أدى في النهاية إلى صدور هذا الحكم الغيابي المشدد.
وفي سياق متصل، أثارت المحامية بن براهم ادعاءات حول وجود ضغوط سياسية دولية رافقت نشر الرواية، مشيرة إلى تدخل مباشر من الرئاسة الفرنسية لدى دار النشر 'غاليمار'. وزعمت المصادر أن هذا التدخل كان يهدف لضمان خروج الرواية إلى النور رغم الجدل القانوني والأخلاقي الذي يحيط بمصدر معلوماتها، مما أضفى صبغة سياسية على القضية.
وتسببت هذه القضية في انقسام حاد داخل الوسط الثقافي، بين مدافع عن حرية الإبداع الأدبي وحق الروائي في استلهام الواقع، وبين متمسك بضرورة حماية الخصوصية الطبية للمرضى. ويرى مراقبون أن الحكم القضائي يضع حدوداً قانونية جديدة للعلاقة بين الطبيب والكاتب في حال وجود صلة قرابة، خاصة عندما يتعلق الأمر بضحايا الصدمات النفسية.
يُذكر أن رواية 'حوريات' قد أثارت جدلاً واسعاً منذ صدورها، حيث تتناول حقبة دامية من تاريخ الجزائر بأسلوب سردي جريء. ومع صدور هذا الحكم، يواجه كمال داود تحديات قانونية قد تعيق تنقله أو نشاطه الأدبي المرتبط بالداخل الجزائري، في انتظار ما ستسفر عنه إجراءات الطعن أو الاستئناف المحتملة على الحكم الغيابي.





شارك برأيك
القضاء الجزائري يقضي بسجن الروائي كمال داود 3 سنوات في قضية 'حوريات'