دخلت العلاقات التاريخية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة منعطفاً جديداً من التوتر، إثر تقارير كشفت عن مراجعة محتملة لموقف واشنطن تجاه قضية جزر فوكلاند. هذا النزاع السيادي القديم بين لندن وبوينس آيرس عاد ليتصدر المشهد الجيوسياسي بعد تسريبات من داخل أروقة وزارة الدفاع الأمريكية.
وأفادت مصادر مطلعة بأن رسالة بريد إلكتروني داخلية في البنتاغون أشارت إلى إمكانية استخدام ملف الجزر كأداة ضغط سياسي. ويبدو أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تدرس معاقبة الحلفاء الذين لم يبدوا حماساً كافياً لدعم التحركات العسكرية الأمريكية ضد إيران، وعلى رأسهم بريطانيا.
وتعد جزر فوكلاند أرخبيلاً نائياً يقع في جنوب المحيط الأطلسي، ويبعد نحو 500 كيلومتر عن السواحل الأرجنتينية، بينما تفصله مسافة شاسعة تصل إلى 13 ألف كيلومتر عن الأراضي البريطانية. ويتألف الأرخبيل من جزيرتين كبريين ومئات الجزر الصغيرة التي تديرها لندن فعلياً منذ عقود طويلة.
يعود الوجود البريطاني الموثق في الجزر إلى عام 1690، لكن السيطرة الرسمية بدأت في القرن الثامن عشر قبل أن تترسخ تماماً في عام 1833. ومنذ ذلك الحين، تدير بريطانيا الجزر التي يسكنها حالياً نحو 3600 نسمة، معظمهم من أصول بريطانية ويتمتعون بنظام حكم ذاتي داخلي.
في المقابل، ترفض الأرجنتين الاعتراف بالسيادة البريطانية وتطلق على الجزر اسم 'مالفيناس'، مدعية أنها ورثتها عن الإمبراطورية الإسبانية. وتعتبر بوينس آيرس أن السيطرة البريطانية التي بدأت في القرن التاسع عشر هي نتاج عمل استعماري غير شرعي يجب إنهاؤه عبر القنوات الدولية.
وصل النزاع إلى ذروته العسكرية في أبريل من عام 1982، حينما شنت الحكومة العسكرية الأرجنتينية غزواً مفاجئاً للجزر. هذا التحرك دفع رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك، مارغريت تاتشر، إلى إرسال قوة بحرية ضخمة لاستعادة الأرخبيل في حرب قصيرة لكنها كانت دامية.
استمرت المواجهات العسكرية لمدة 74 يوماً، وانتهت باستسلام القوات الأرجنتينية في يونيو 1982، مما أدى لاحقاً إلى انهيار المجلس العسكري الحاكم في بوينس آيرس. وقد خلفت الحرب مئات القتلى من الجانبين، ولا تزال ذكراها تشكل جرحاً وطنياً غائراً في الوجدان الأرجنتيني.
الولايات المتحدة قد تسعى لمعاقبة بريطانيا على عدم دعمها للحرب مع إيران من خلال مراجعة موقفها من مطالبة لندن بجزر فوكلاند.
خلال تلك الحرب، حاولت واشنطن في البداية لعب دور الوسيط، لكنها انحازت في نهاية المطاف إلى حليفتها بريطانيا. وقدمت الولايات المتحدة دعماً استخباراتياً ولوجستياً حيوياً ساهم في حسم المعركة لصالح لندن، وهو الموقف الذي حافظت عليه الإدارات الأمريكية المتعاقبة لعقود.
أما في الوقت الراهن، فتشدد الحكومة البريطانية على أن سيادة الجزر غير قابلة للتفاوض، مستندة إلى حق السكان في تقرير مصيرهم. وأكد متحدث باسم رئيس الوزراء كير ستارمر مؤخراً أن لندن لن تفتح أي نقاش حول السيادة دون موافقة صريحة من سكان الأرخبيل.
ويستند الموقف البريطاني إلى نتائج استفتاء أجري في عام 2013، حيث صوت 99.8% من الناخبين لصالح البقاء تحت التاج البريطاني. وترى لندن أن هذه النتيجة هي الدليل القاطع على شرعية وجودها، بينما ترفض الأرجنتين الاعتراف بالاستفتاء وتعتبر السكان 'مستوطنين' وليسوا سكاناً أصليين.
على الصعيد الدولي، تصنف الأمم المتحدة جزر فوكلاند كإقليم غير متمتع بالحكم الذاتي، وتدعو الطرفين باستمرار للحوار. ومع ذلك، لم تصدر المنظمة الدولية حكماً نهائياً بشأن أحقية أي من الطرفين، مما يبقي الملف مفتوحاً أمام التجاذبات السياسية الدولية المستمرة.
ودخلت الصين على خط الأزمة مؤخراً عبر إبداء دعم صريح للمطالب الأرجنتينية، في إطار تعزيز علاقاتها مع دول أمريكا اللاتينية. هذا الدعم الصيني يزيد من تعقيد المشهد، خاصة مع محاولات بكين منافسة النفوذ الغربي في المناطق الاستراتيجية حول العالم.
الموقف الأمريكي الجديد، في حال تأكده، سيمثل تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية لواشنطن تجاه أقرب حلفائها. فالتلويح بمراجعة ملف السيادة على فوكلاند يعكس رغبة إدارة ترامب في إعادة صياغة تحالفات الناتو بناءً على مبدأ 'المصالح المتبادلة' والالتزام بالتوجهات العسكرية الأمريكية.
ويبقى السؤال حول مدى جدية واشنطن في تنفيذ هذا التهديد، أم أنه مجرد مناورة دبلوماسية لانتزاع تنازلات بريطانية في ملفات أخرى. لكن المؤكد أن إثارة قضية فوكلاند مجدداً ستشعل فتيل توتر دبلوماسي كبير بين ضفتي الأطلسي، وقد تعيد رسم خارطة التحالفات التقليدية.





شارك برأيك
أزمة 'فوكلاند' تعود للواجهة: واشنطن تلوح بورقة السيادة للضغط على لندن