عربي ودولي

السّبت 25 أبريل 2026 11:50 صباحًا - بتوقيت القدس

باكستان لاعباً محورياً: كيف تحولت إسلام أباد إلى وسيط في الصراع الأمريكي الإيراني؟

شهد العقد الأخير تحولات دراماتيكية في نفوذ باكستان الإقليمي، حيث عانت إسلام أباد من تراجع حاد في منطقة الخليج العربي نتيجة الاستقطابات الأيديولوجية الحادة. وقد ساهمت حاجة القوى الغربية لتقديم الهند كقوة موازنة للصين في تعزيز مكانة نيودلهي على حساب الدور الباكستاني التقليدي.

تجلت هذه الضغوط من خلال تبني قوى إقليمية للموقف الهندي، وصولاً إلى طرح الممر الاقتصادي الهندي الأوروبي الذي يمر عبر الإمارات والسعودية وإسرائيل. هذه المؤشرات، مضافاً إليها الأزمات الاقتصادية الداخلية في باكستان، كانت توحي بأن دورها التاريخي في المنطقة قد شارف على الانتهاء.

إلا أن المشهد بدأ يتبدل جذرياً مع تبني المملكة العربية السعودية لسياسة خارجية جديدة اتسمت بالاستقلالية والابتعاد عن المحور الهندي الإسرائيلي. وقد عززت الحرب الباكستانية الهندية الخاطفة من هذه التحولات، حيث أظهرت إسلام أباد قدرات عسكرية أعادت صياغة موازين القوى في ذهن صناع القرار الإقليمي.

في عام 2025، وعقب الاعتداء الإسرائيلي الذي استهدف دولة قطر، اتخذت الرياض خطوة استراتيجية برفع مستوى التحالف مع باكستان. وتوج هذا التقارب بتوقيع اتفاقية دفاعية ملزمة تقضي بتدخل القوات الباكستانية في حال تعرض الأمن السعودي لأي تهديد خارجي مباشر.

بالتوازي مع ذلك، كان التنسيق التركي الباكستاني يكتسب زخماً متصاعداً بفضل جهود أنقرة لدمج إسلام أباد في المعادلات الإقليمية المتعددة. شمل هذا التعاون مسارات ثلاثية مع أذربيجان وأوكرانيا، بالإضافة إلى تنسيق وثيق في الملفات المتعلقة بالقضية الفلسطينية وقطاع غزة.

مع اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في فبراير 2026، برز اسم باكستان كلاعب غير متوقع. حيث تحولت إسلام أباد إلى قناة اتصال رئيسية ووسيط بين واشنطن وطهران، متجاوزة بذلك أدواراً كانت محصورة تاريخياً في سلطنة عمان وسويسرا.

يعود هذا البروز المفاجئ إلى عدة عوامل، أبرزها الوضع الاقتصادي الحرج لباكستان الذي تأثر بشدة بإغلاق مضيق هرمز. ومع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، وجدت إسلام أباد نفسها أمام ضرورة ملحة لوقف الحرب لتفادي انهيار مالي واجتماعي داخلي نتيجة التضخم المفرط.

لعبت المساعدات المالية الخليجية دوراً في تثبيت الموقف الباكستاني، حيث تدخلت قطر والسعودية لتأمين 5 مليار دولار لسد العجز المالي. جاء ذلك في وقت طالبت فيه الإمارات إسلام أباد بسداد ديون مستحقة بقيمة 3 مليار دولار، مما زاد من تعقيد المشهد الاقتصادي.

على الصعيد العسكري، وضعت الهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي باكستان أمام اختبار حقيقي لالتزاماتها الدفاعية. وأرسلت إسلام أباد رسائل حازمة إلى طهران مفادها أن أي استهداف للمملكة العربية السعودية سيفعل تلقائياً بنود الاتفاقية الدفاعية الموقعة بين البلدين.

سعت باكستان من خلال تحركاتها الدبلوماسية إلى تجنب سيناريو المواجهة المباشرة مع جارتها إيران، مفضلة الانخراط في مسار وقف إطلاق النار. وترى القيادة الباكستانية أن جر البلاد إلى حرب إقليمية سيفاقم من أزماتها الداخلية ويقوض جهود التنمية الهشة.

تتخوف إسلام أباد بشكل عميق من تداعيات احتمال سقوط النظام الإيراني أو تحول إيران إلى دولة فاشلة نتيجة الحرب. وتستحضر الذاكرة السياسية الباكستانية التجربة المريرة مع أفغانستان، حيث لا تزال تعاني من الأعباء الأمنية والاجتماعية لعدم الاستقرار على حدودها الغربية.

تمتلك باكستان ميزة فريدة تتمثل في علاقاتها المتوازنة مع الأقطاب المتنافسة، فهي حليف استراتيجي للصين وتمتلك إرثاً طويلاً من التعاون مع واشنطن. هذا التوازن، بالإضافة إلى علاقاتها المتنامية مع دول الخليج وإيران، جعل منها وسيطاً مقبولاً لدى كافة الأطراف المتصارعة.

تراقب إسلام أباد بحذر الجهود الغربية لدعم الصعود الدولي للهند، وتعتبر أن نجاح التحالفات الهندية الإسرائيلية الخليجية يمثل تهديداً وجودياً لنفوذها. لذا، فإن انخراطها في الوساطة يهدف أيضاً إلى احتواء الطموحات الهندية وضمان مقعد دائم لها في صياغة مستقبل المنطقة.

في نهاية المطاف، تظل جهود الوساطة الباكستانية مرهونة بتطورات الميدان العسكري ومدى رغبة الأطراف الدولية في الوصول إلى تسوية. ومع ذلك، فإن تحول باكستان من دولة تعاني من تراجع النفوذ إلى وسيط إقليمي لا غنى عنه يمثل نقطة تحول جوهرية في جيوسياسية الشرق الأوسط.

دلالات

شارك برأيك

باكستان لاعباً محورياً: كيف تحولت إسلام أباد إلى وسيط في الصراع الأمريكي الإيراني؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.