وجهت محافل عسكرية وأمنية إسرائيلية انتقادات حادة لأداء جيش الاحتلال في مواجهة ما وصفته بـ'المنظمات الهجينة' مثل حماس وحزب الله. وأكد جيدي هراري، القائد الأسبق في لواء غولاني والمسؤول السابق في الاستخبارات العسكرية أن التوقعات الإسرائيلية التقليدية بحروب خاطفة وحاسمة لم تعد تلامس الواقع الميداني المعقد.
وأوضح هراري في تحليل نشرته وسائل إعلام عبرية أن الرأي العام الإسرائيلي يصطدم مراراً بحقيقة أن الأهداف لا تتحقق بالسرعة المطلوبة. وأشار إلى أن الشعور السائد حالياً هو الانخراط في حملات مستمرة وغامضة تتسم بالإحباط، بعيداً عن صور النصر التي تشكلت في حروب الماضي ضد الجيوش النظامية.
ويعتقد المسؤول الاستخباراتي السابق أن الفجوة الكبيرة تكمن في تمسك الخطاب الإسرائيلي بمفاهيم عسكرية عفا عليها الزمن. هذه المفاهيم صُممت لمواجهة دول وجيوش تقليدية، بينما تدور صراعات اليوم ضد تشكيلات تجمع بين تكتيكات حرب العصابات والقدرات العسكرية المتطورة.
ووصف التحليل حماس وحزب الله بأنهما ليسا مجرد منظمات مسلحة بسيطة، بل هما أطر شبه عسكرية تمتلك قوة بشرية هائلة وأنظمة قيادة وسيطرة متقدمة. كما أشار إلى امتلاك هذه الأطراف لبنى تحتية عملياتية معقدة وقدرات استخباراتية تضاهي في بعض جوانبها ما تمتلكه جيوش غربية.
وشدد هراري على أن هذه المنظمات نجحت في دمج القوة النارية والمناورة والتحصن داخل المناطق المبنية المكتظة. هذا التطور جعل من افتراض حسم المعارك بسرعة باستخدام أساليب الماضي أمراً مستحيلاً، مما يستدعي تحديثاً جذرياً لمفهوم الحرب غير المتكافئة وقواعد اتخاذ القرار.
وفي جوهر الصراع، يرى الخبير الإسرائيلي أن المسألة لم تعد تتعلق بفجوة تقنية بين جيش كبير ومنظمة صغيرة، بل بصراع وجودي بين دولة وفاعل غير حكومي. هذا الفاعل يستغل 'عقدة النقص' لديه لتحويلها إلى ميزة استراتيجية في ساحة الوعي والتأثير العالمي.
وأكد المقال أن المنظمات المقاومة لا تحتاج إلى تدمير الجيش الإسرائيلي لتعلن انتصارها، بل يكفيها الصمود والاستمرار في إطلاق النار. فمن وجهة نظرها، يعد مجرد عدم الهزيمة الكاملة إنجازاً كبيراً يحطم هيبة الدولة القوية التي تفشل في فرض إرادتها.
المنظمة المسلحة لا تحتاج لتحقيق نصر عسكري لتدعي النجاح، بل يكفيها البقاء ومواصلة إطلاق النار لتعزيز سردية المقاومة.
وتبرز المشكلة الإسرائيلية بوضوح عندما يقيس أحد الطرفين النصر بتدمير العدو، بينما يكتفي الطرف الآخر بالبقاء على قيد الحياة. هذه الفجوة في تعريف الأهداف تؤدي إلى تآكل الثقة بين الجمهور الإسرائيلي والمؤسسة العسكرية، وتزيد من وطأة الشعور بالفشل الاستراتيجي.
وأشار هراري إلى أن غياب الأهداف الواضحة والقابلة للقياس يجعل من المستحيل خلق شعور بالنصر لدى المستوطنين. فحتى لو حقق الجيش إنجازات عملياتية مبهرة، فإن غياب 'الغاية النهائية' يترك الجمهور في حالة من التخبط وعدم اليقين بشأن جدوى الحرب.
وطالب التحليل القيادة السياسية والأمنية بتحديد معايير النجاح بدقة، مثل القضاء على قدرات معينة أو تغيير الواقع الأمني بشكل ملموس. ففي الحرب الحديثة، لا يشترط أن يكون النصر صورة لاستسلام العدو، بل قد يكون تحقيق هدف استراتيجي محدد يفهمه الجمهور ويشعر به الخصم.
وتطرق هراري إلى أهمية 'ساحة الوعي' في عصر الشبكات الاجتماعية والتواصل الفوري، معتبراً إياها لا تقل أهمية عن الميدان. وأوضح أن الجمهور الذي لا يدرك أهداف الحرب سيجد صعوبة في الشعور بالرضا، مهما كان أداء القوات العسكرية فعالاً في الميدان.
وحذر من أن المنظمات المسلحة تدرك جيداً قوة الوعي، حيث تشيد سردية متماسكة تصور البقاء كنجاح باهر. وهي تحول كل صورة دمار أو تأخير سياسي إسرائيلي إلى أداة دعائية فعالة، مما يجعل الدولة التي تهمل هذا الجانب معرضة لخسارة 'معركة المعنى'.
وخلص الخبير العسكري إلى أنه لا يمكن للاحتلال الاستمرار بالحديث عن النصر بمنطق عام 1967 في مواجهة تهديدات عام 2026. فالمواجهة مع 'الجيوش العصابية' تتطلب إدارة ذهنية متسقة وتحديداً دقيقاً للأهداف، بعيداً عن الأوهام التاريخية التي لم تعد صالحة للعصر الحالي.





شارك برأيك
خبير عسكري إسرائيلي: مفاهيم النصر التقليدية سقطت أمام 'الجيوش العصابية'