فلسطين

الإثنين 08 يونيو 2026 11:58 مساءً - بتوقيت القدس

بجسد أنهكه الشلل والنزوح.. شاب غزي يصدح بالقرآن في شوارع القطاع

في أزقة قطاع غزة المكتظة بالنازحين، يبرز الشاب أحمد عيّوش كعلامة فارقة بين الركام والخيام، حيث يتحرك بخطوات ثقيلة يجر فيها جسداً أرهقته الإعاقة وسنوات الحرب. عيّوش الذي يعاني من شلل نصفي طولي في جهته اليمنى منذ طفولته، رفض الركون إلى زوايا الخيام المنسية، واختار أن يكون صوته رفيقاً لعابري السبيل في مناطق جنوب ووسط القطاع.

بدأت رحلة معاناة أحمد من حي الزيتون شرق مدينة غزة، حيث سويت أحلامه بالأرض بعد تدمير منزله بالكامل جراء القصف. هذا الفقد لم يكن مجرد خسارة لجدران إسمنتية، بل كان بداية لرحلة نزوح مريرة انتهت به وبزوجته في خيمة متواضعة بمنطقة المواصي في خان يونس، حيث تفتقر الحياة لأدنى مقومات الاستقرار.

يوميات أحمد تبدأ مع خيوط الفجر الأولى، حيث يجهز معداته البسيطة المكونة من ميكروفون صغير وبطارية شحن. يخرج إلى الشوارع والممرات الضيقة، يذيع آيات من الذكر الحكيم، محاولاً بث السكينة في نفوس أثقلتها الهموم والمخاوف، ومحولاً إعاقته إلى طاقة إيمانية تجوب الطرقات.

أفادت مصادر بأن عيوش يقطع مسافات طويلة تصل إلى 15 كيلومتراً يومياً، متنقلاً بين تجمعات النازحين رغم صعوبة الحركة وآلام جسده. يعتمد في جولاته على إرادة صلبة تتجاوز قدراته البدنية المحدودة، في ظل انقطاع مستمر للكهرباء يصعب معه شحن بطارية جهازه الذي يرافقه كظله.

يقول عيوش إن فكرته ليست مهنة أو وسيلة للتكسب، بل هي رسالة تطوعية يرجو منها الأجر والثواب، ومحاولة لدفع الناس نحو الصبر والتوبة. ويرى أن صوت القرآن في الطرقات يمنح المارين لحظات من الهدوء النفسي وسط ضجيج الحرب والازدحام الخانق الذي يلف حياة النازحين.

تفاعل المارة مع أحمد يعكس حاجة الناس للروحانيات في ظل الأزمات، حيث يطلب منه البعض التوقف أمام خيامهم للاستماع، بينما يكتفي آخرون بابتسامة شكر. هذا القبول الشعبي يمنحه الدافع للاستمرار في مسيره اليومي، رغم التعب الشديد الذي يشعر به عند عودته إلى خيمته كل مساء.

يحرص الشاب الغزي على اختيار تلاوات لقراء يمتلكون أصواتاً ندية وتلقى قبولاً واسعاً، مثل الشيخ هيثم الدخين وياسر الدوسري وهزاع البلوشي. يرى أحمد أن هذه الأصوات تلامس القلوب وتدفع الناس للخشوع، مما يعزز من هدف مبادرته في نشر الطمأنينة بين المهجرين.

خلف هذا المشهد الإيماني، تكمن تفاصيل حياة معيشية قاسية، حيث يعيش أحمد مع زوجته في خيمة لا تقي حراً ولا برداً، وبدون مصدر دخل ثابت. يعتمد الزوجان على مساعدات شحيحة تقدمها الجهات الخيرية أو مبالغ بسيطة يجود بها أهل الخير، بالكاد تغطي ثمن الطعام وتكاليف شحن البطارية.

تعود جذور إعاقة أحمد إلى حادثة سقوط مؤلمة من الطابق الثاني حين كان طفلاً لم يتجاوز الخامسة عشر شهراً من عمره. تلك الحادثة غيرت مسار حياته للأبد، لكنها لم تكسر عزيمته، حيث كافح قبل الحرب ليعمل بائعاً للعطور في شوارع غزة ليؤمن قوت يومه بكرامة.

اليوم، وبعد أن فقد كل شيء، لم يتبقَ لأحمد سوى ميكروفونه وطريق طويل يقطعه كل نهار، متحدياً نظرات العجز وظروف الحرب القاسية. يمثل عيوش نموذجاً للصمود الفلسطيني الذي يتجلى في أبسط الصور وأكثرها تأثيراً، مؤكداً أن الإعاقة الحقيقية هي إعاقة الروح لا الجسد.

مع غروب الشمس، يعود أحمد إلى منطقة المواصي منهك القوى، ليجلس في خيمته ويستعد ليوم جديد من المسير. لا يبحث هذا الشاب عن شهرة أو بطولات زائفة، بل يكتفي بأن يظل صوته حاضراً في فضاء غزة، مذكراً الجميع بأن الأمل لا يزال ممكناً رغم كل هذا الدمار.

دلالات

شارك برأيك

بجسد أنهكه الشلل والنزوح.. شاب غزي يصدح بالقرآن في شوارع القطاع

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.