أقلام وأراء

الإثنين 08 يونيو 2026 3:13 مساءً - بتوقيت القدس

سقوط 'إمبراطور البلطجة': هل انتهى دور صبري نخنوخ الوظيفي؟

أثارت عملية الإنزال الأمني والقبض على صبري نخنوخ، الذي يوصف بأنه 'بلطجي مصر الأول'، تساؤلات عميقة حول مفهوم دولة القانون وتوقيت المحاسبة. فمن العبث تصوير هذا الإجراء كصحوة مفاجئة للعدالة، وكأن تاريخ الرجل وسوابقه لم تكن معلومة للأجهزة التي أتاحت له تصدر المشهد العام لسنوات طويلة.

كشفت محاضر التحريات الأخيرة عن وجود 55 قضية سابقة في سجل نخنوخ، وهو رقم يضع السلطات أمام مأساة حقيقية؛ إذ كيف لمواطن بهذا السجل الإجرامي أن يظل طليقاً، بل ويتحول إلى نجم مجتمعي يحظى بتغطية إعلامية واسعة لنشاطاته وتحركاته؟

لقد روجت منصات إعلامية لحالة من الارتياح الشعبي تجاه هذه الإجراءات، لكن هذا الترويج يدين النظام نفسه الذي سمح بحضور مبالغ فيه لشخصية تقود جيشاً من الخارجين على القانون. إن تحول نخنوخ من العمل في الخفاء إلى تصدر الواجهة يعد تخريباً متعمداً للمجتمع وقيمه.

المفاجأة المزعومة بالعثور على أسلحة آلية ومدافع غير مرخصة في حوزة نخنوخ تثير السخرية، خاصة وأن صور الرجل بهذه الأسلحة كانت منتشرة علناً. القانون المصري لا يبيح ترخيص هذه النوعية من السلاح، ومع ذلك ظل الرجل يمارس نشاطه دون رادع لفترة طويلة.

الأمر الأكثر غرابة هو رئاسة نخنوخ لشركة أمن خاصة كبرى بعد خروجه من السجن، رغم إدانته السابقة بالبلطجة. إن تعيين شخص بملفه الجنائي في موقع حساس كهذا يمثل تحدياً صارخاً لفكرة الدولة، ويحول شركات الأمن إلى غطاء لتقنين أعمال البلطجة.

بدأت البلاغات تتوالى ضد نخنوخ فور سقوط الحماية عنه، ومنها الاستيلاء على عقارات وجراجات دون وجه حق. لقد كان الرجل يتصرف كأنه 'ابن المرحلة' المحصن، مستفيداً من علاقاته المتشعبة التي جعلته يشعر بأنه فوق المساءلة القانونية التقليدية.

تذكرنا هذه الواقعة باعترافات وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي حول التنصت على المواطنين، حيث تم تمرير الجرائم الدستورية تحت مبررات واهية. في الحالتين، نجد خروجاً عن حدود الوظيفة العمومية وتغولاً على حقوق الأفراد دون رقيب قانوني حقيقي.

القراءة المتأنية لمشهد القبض على نخنوخ تشير إلى أنه قد يكون 'كميناً' سياسياً أعد له بعناية، خاصة بعد تضخم القضية لتشمل المخدرات والآثار. لم يعد الأمر مجرد اعتداء بسيط في معرض سيارات، بل تحول إلى عملية تصفية نفوذ واسعة النطاق.

يمكن استحضار مقولة نقيب الصحفيين الأسبق كامل زهيري بأن نخنوخ 'داس على سلك مكشوف'. فكما حدث مع شخصيات سابقة كانت مقربة من دوائر الحكم، تنتهي الحماية فور تعارض المصالح أو تجاوز الخطوط الحمراء المرسومة من قبل السلطة.

هناك تقارير تشير إلى أن الأزمة الحقيقية بدأت عندما رفض نخنوخ، بصفته رئيساً لشركة 'فالكون'، دمج أصول شركته ضمن صندوق مصر السيادي. إذا صحت هذه الأنباء، فإننا نكون أمام صراع مالي واقتصادي مغلف بغطاء جنائي وقانوني.

التاريخ المصري مليء بنماذج مشابهة، من رشاد عثمان في عهد السادات إلى حسام أبو الفتوح في عهد مبارك. هؤلاء الأشخاص توهموا أن قربهم من السلطة يجعلهم شركاء في الحكم، لكنهم اكتشفوا في النهاية أنهم مجرد أدوات يتم التخلص منها عند الحاجة.

يخشى البعض أن يكون صعود نخنوخ والعرجاني محاولة لاستنساخ 'دولة الدعم السريع' في مصر، وهو أمر يرفضه العقل الجمعي والمؤسسات العسكرية والأمنية التقليدية. إن الاعتماد على الخارجين عن القانون لحماية السلطة هو وضع استثنائي لا يمكن أن يستمر طويلاً.

أثبتت عملية القبض أن قوة بسيطة من قسم الشرطة استطاعت السيطرة على نخنوخ ومساعديه دون أي مقاومة تذكر. هذا يؤكد أن 'إمبراطورية البلطجة' تتبخر فور صدور قرار سياسي برفع الغطاء عنها، مهما بلغت قوتها الظاهرية أو أسلحتها.

في النهاية، لم يكن سقوط نخنوخ مفاجأة لأحد، بل هو النتيجة الطبيعية لعلاقة ملتبسة بين السلطة وأدواتها غير الرسمية. إن تطبيق القانون 'النائم' بشكل انتقائي يثير الدهشة، لكنه يؤكد أن الدولة تظل هي اللاعب الأقوى عندما تقرر استعادة هيبتها.

دلالات

شارك برأيك

سقوط 'إمبراطور البلطجة': هل انتهى دور صبري نخنوخ الوظيفي؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.