أقلام وأراء

الإثنين 08 يونيو 2026 5:28 مساءً - بتوقيت القدس

السودان الذي عرفناه.. شهادة وفاء في زمن الاحتقان والتعميم

في ظل ما تشهده منصات التواصل الاجتماعي من توترات متزايدة، تبرز أصوات تحاول تذكير الشعوب بالروابط العميقة التي تتجاوز الأحداث العابرة. إن ما يُنشر عن مواقف عنصرية أو إساءات يتعرض لها بعض السودانيين في مصر يستوجب وقفة شجاعة للمواجهة لا للإنكار، فالعنصرية تظل قبيحة مهما كان مصدرها أو مبررها.

إن الخطورة تكمن في تحول أخطاء الأفراد إلى صورة ذهنية نمطية تعمم على شعب بأكمله، مما يؤدي إلى نسيان الفضل عند أول بادرة خلاف. التاريخ المشترك بين مصر والسودان مليء بالمواقف الإنسانية التي لا يجوز أن تُمحى من الذاكرة الجمعية تحت ضغط اللحظة الراهنة أو الأزمات الاقتصادية.

الحديث عن السودان ليس مجرد تنظير من الكتب، بل هو شهادة حية لمن عاشوا في كنف هذا الشعب وأكلوا من طعامه في أوقات المحن. لقد كان السودان الوجهة الأولى لآلاف المصريين الذين اضطروا لمغادرة بلادهم بعد عام 2013 بحثاً عن الأمان والسكينة بعيداً عن الملاحقات السياسية والتضييق.

في تلك اللحظات الحرجة، لم يكن السودان مجرد جار جغرافي، بل كان الملاذ الذي فتح أبوابه حين أوصدت دول كثيرة حدودها في وجوه الفارين. لقد وجد المعارضون المصريون في الخرطوم وبورتسودان وغيرها من المدن بيوتاً آمنة استقبلتهم دون قيد أو شرط، مقدمةً نموذجاً فريداً في الأخوة العربية.

تتجلى عظمة الشخصية السودانية في تقاليدها الراسخة، مثل موائد الإفطار الجماعي في رمضان التي تجمع الغريب والقريب على مائدة واحدة. هذه المشاهد التي يراها الزائر في شوارع السودان ليست مجرد طقوس دينية، بل هي تعبير أصيل عن ثقافة التراحم والتكافل التي تميز هذا الشعب المعطاء.

الكرم السوداني ليس مجرد صفة عابرة، بل هو جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية التي ترفض الضيم وتكرم الضيف مهما ضاقت الظروف. وقد لمس المصريون المقيمون هناك كيف يتسابق السودانيون لرد المعروف بأفضل منه، وكيف يتعاملون مع الإنسان لقيمته الذاتية قبل جنسيته أو انتماءاته.

لقد لعب السودان دوراً محورياً في تأمين إقامة العائلات المصرية وتسهيل إجراءات انتقالهم في فترات القلق والانتظار الطويل. لم يكن السودان بالنسبة للكثيرين مجرد محطة عبور نحو المنافي البعيدة، بل كان وطناً بديلاً وفر الكرامة والأمان لمن فقدوه في أوطانهم الأصلية.

من حق السودانيين اليوم، وهم يواجهون واحدة من أصعب المحن في تاريخهم الحديث أن يجدوا في مصر الصدر الحنون والملاذ الآمن. إن ملايين النازحين الذين فقدوا بيوتهم وأعمالهم بسبب الحرب الدائرة لم يغادروا ديارهم اختياراً، بل فراراً من الموت والدمار الذي طال الأخضر واليابس.

في مثل هذه الظروف القاسية تُختبر أخلاق الأمم وقدرتها على التمسك بإنسانيتها بعيداً عن الحسابات الضيقة. لا ينبغي للأزمات الاقتصادية أو الضغوط المعيشية التي تمر بها المنطقة أن تكون مبرراً للتخلي عن قيم الشهامة وإغاثة الملهوف التي طالما ميزت الشعب المصري عبر العصور.

الرسالة الموجهة للمصريين اليوم هي ضرورة الاستيصاء خيراً بأهل السودان، وتذكر أن الأيام دول، وأن الغربة قد تفرض على أي إنسان في أي وقت. إن الحفاظ على كرامة الضيف السوداني هو رد لجزء بسيط من الدين الذي طوقوا به أعناق المصريين في سنوات الشدة الماضية.

يجب ألا يُسمح لخطاب الكراهية أو أصوات الجهلاء والمتعصبين أن تفسد ما بناه النيل والتاريخ المشترك من روابط أسرية واجتماعية. ما يجمع بين ضفتي النيل أكبر بكثير من أي خلافات عابرة، والوفاء للمواقف النبيلة هو واجب أخلاقي لا يسقط بالتقادم أو بتغير المصالح السياسية.

وعلى الجانب الآخر، يجب أن يدرك الأشقاء السودانيون أن التصرفات الفردية المسيئة لا تمثل جوهر الشعب المصري ولا تعبر عن مشاعره الحقيقية. لا يزال هناك ملايين المصريين الذين يحملون للسودان وأهله تقديراً كبيراً ومحبة لا تتأثر بضجيج منصات التواصل الاجتماعي المفتعل.

إن تعليم الأجيال القادمة قيمة الوفاء والاعتراف بالفضل هو الضمانة الوحيدة لاستمرار العلاقات الأخوية بين الشعوب. السودان سيبقى في ذاكرة الشرفاء بلداً للكرم والنبل، وسيبقى دعاء المصريين لهم بالفرج القريب واستعادة الأمن والاستقرار جزءاً من رد الجميل.

ختاماً إن الدعوة مفتوحة لكل من اختبر نبل السودانيين أن يشارك قصته، لتكون حائط صد ضد محاولات التفرقة والتحريض. إن ما يجمع شعبي وادي النيل من تاريخ ومصير مشترك أقوى من أن ينال منه خطاب كراهية عابر، والوفاء سيظل دائماً هو العنوان الأبرز لهذه العلاقة التاريخية.

دلالات

شارك برأيك

السودان الذي عرفناه.. شهادة وفاء في زمن الاحتقان والتعميم

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.