عربي ودولي

الخميس 23 أبريل 2026 9:50 صباحًا - بتوقيت القدس

خرائط نفوذ جديدة: كيف أعادت الحرب على إيران صياغة أدوار باكستان وأوكرانيا في المنطقة؟

أحدثت الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران منذ أواخر فبراير الماضي زلزالاً في خرائط القوة والنفوذ داخل منطقة الشرق الأوسط. ولم تقتصر التغييرات على القوى التقليدية، بل برزت أدوار مفاجئة لدول كانت تعاني من أزمات داخلية خانقة، حيث وجدت في الصراع فرصة لتعزيز حضورها الاستراتيجي.

تتصدر باكستان المشهد كأبرز الرابحين جيوسياسياً، حيث تحولت من دولة تبحث عن سيولة مالية لسداد ديونها إلى وسيط دولي لا غنى عنه بين واشنطن وطهران. وقد استثمرت إسلام آباد علاقاتها التاريخية المتوازنة مع الطرفين، مستفيدة من كونها أول دولة اعترفت بالجمهورية الإسلامية، وفي الوقت ذاته حليفاً أمنياً وثيقاً للولايات المتحدة.

على الصعيد الدفاعي، حققت باكستان اختراقاً تاريخياً بحصولها على موطئ قدم عسكري مباشر داخل الأراضي السعودية. وقد تجلى ذلك بوصول مقاتلات حربية باكستانية إلى قاعدة الملك عبد العزيز الجوية في أبريل الجاري، مما يشير إلى تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين البلدين في سبتمبر 2025.

تشير تقارير ومصادر مقربة من دوائر صنع القرار إلى أن التحالف السعودي الباكستاني بات يوفر ما يشبه 'المظلة النووية' للمملكة. ويأتي هذا التطور في وقت تشعر فيه بعض العواصم الخليجية بخيبة أمل من مستوى الردع الأمريكي، مما دفعها للبحث عن بدائل إقليمية قوية قادرة على مواجهة التهديدات المتزايدة.

في المقابل، لم تكن أوكرانيا بعيدة عن هذا المشهد، حيث سعى الرئيس فولوديمير زيلينسكي لاغتنام الحرب لعرض خدمات بلاده الأمنية على دول الخليج. وحاولت كييف تسويق خبراتها في اعتراض الطائرات المسيرة، خاصة تلك التي تستخدمها إيران وتزود بها روسيا في الحرب الأوكرانية، محولة صورتها من متلقٍ للمساعدات إلى شريك تقني.

تضمنت العروض الأوكرانية مقايضة أنظمة 'باتريوت' بمضادات مسيرات أوكرانية الصنع، ونشر خبراء متخصصين في مكافحة الطائرات الانتحارية. وبالفعل، تم نشر أكثر من 200 خبير أوكراني في دول مثل قطر والإمارات والسعودية والأردن، في محاولة لبناء شراكات تتجاوز الطابع الرمزي إلى التعاون الاستراتيجي طويل الأمد.

وعلى صعيد الوساطة الدبلوماسية، تراجع دور سلطنة عُمان الذي استمر لسنوات كقناة سرية وموثوقة بين طهران والغرب. ورغم التقدم الذي أحرزته مسقط في مفاوضات جنيف قبيل اندلاع الحرب بيوم واحد، إلا أن الانفجار العسكري أجهض تلك الجهود وأدى إلى حالة من خيبة الأمل في الأوساط الدبلوماسية العُمانية.

يرى مراقبون أن دخول باكستان على خط الوساطة جاء كبديل عملي بعد أن أصبحت أطراف إقليمية أخرى، مثل قطر وعُمان، جزءاً من الصراع قسراً بسبب تعرضها للقصف. وقد وفرت إسلام آباد قناة تواصل مقبولة، حيث نقلت مطالب أمريكية مكونة من 15 نقطة إلى القيادة الإيرانية، شكلت أساساً للمحادثات الجارية.

المكاسب الباكستانية لم تكن سياسية فحسب، بل شملت متنفساً مالياً حيوياً أنقذ اقتصادها من الانهيار. فقد تعهدت السعودية بتقديم دعم بمليارات الدولارات على شكل ودائع، مما خفف من وطأة أزمة السيولة التي كانت تواجهها إسلام آباد عقب حربها القصيرة مع الهند في عام 2025.

العلاقة الشخصية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير لعبت دوراً محورياً في تعزيز هذا الدور. فقد وصف ترمب منير بـ 'جنراله المفضل'، مما أعطى الضوء الأخضر لإسلام آباد للتحرك بحرية أكبر في ملفات المنطقة الشائكة، وتجاوز دورها الجغرافي التقليدي.

في غضون ذلك، يحاول زيلينسكي استثمار 'سلاح المسيرات' الذي يعتبره 'نفط أوكرانيا الجديد' لفتح أبواب الاستثمارات الخليجية. ويهدف الرئيس الأوكراني من هذه التحركات إلى الرد سياسياً على الدعم الإيراني لروسيا، وبناء تحالفات اقتصادية تدعم مجهوده الحربي في مواجهة موسكو.

تتجه المنطقة نحو نشوء محاور جديدة قد تغير وجه الشرق الأوسط في 'اليوم التالي' للحرب. ويبرز احتمال تشكل حلف أمني يضم باكستان وتركيا في مواجهة محاور أخرى، مما يعني أن إسلام آباد بصدد التحول إلى قوة إقليمية رئيسية فاعلة في صراعات كانت سابقاً تكتفي بمراقبتها عن بعد.

إن وصول القوات الباكستانية إلى المنطقة في توقيت حساس، وتحديداً بعد إعلان وقف إطلاق نار مؤقت، يعكس تحسب الرياض لاحتمالات انهيار الدبلوماسية. ويبدو أن القيادة السعودية قررت تعزيز عمقها الاستراتيجي عبر الشراكة مع قوة نووية إسلامية، لضمان توازن القوى في حال تجدد المواجهات.

ختاماً، تظهر الحرب على إيران أن الأزمات الكبرى تعيد تعريف 'الضرورة الجيوسياسية' للدول. فبينما استعادت باكستان ثقلها الإقليمي كلاعب أمني ووسيط سياسي، تواصل أوكرانيا كفاحها لإثبات جدواها كشريك أمني في منطقة بعيدة جغرافياً، لكنها مرتبطة عضوياً بموازين القوى العالمية.

دلالات

شارك برأيك

خرائط نفوذ جديدة: كيف أعادت الحرب على إيران صياغة أدوار باكستان وأوكرانيا في المنطقة؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.