عربي ودولي

الخميس 23 أبريل 2026 3:50 صباحًا - بتوقيت القدس

مستقبل قوات الدعم السريع في السودان: بين خيارات الاندماج ومخاطر التفكك

منذ اندلاع المواجهات العسكرية في السودان منتصف نيسان/ أبريل 2023، لم يعد الصراع مجرد صدام مسلح بين قوتين، بل تحول إلى اختبار حقيقي لفكرة الدولة السودانية. تبرز في قلب هذا المشهد تساؤلات حول مصير قوات الدعم السريع، وهل ستتمكن المؤسسة العسكرية التقليدية من استعادة سيادتها الكاملة أم سيفرض الواقع الجديد تشكيلات موازية.

تعود جذور قوات الدعم السريع إلى سياق حرب دارفور عام 2003، حيث اعتمد النظام السابق على تشكيلات محلية تطورت لاحقاً لتصبح قوة رسمية في عام 2013. ومنذ ذلك الحين، تحركت هذه القوات في منطقة رمادية، حيث تمتعت باستقلال مالي وعسكري فعلي رغم تبعيتها الشكلية للمؤسسة الرسمية للدولة.

بلغ التناقض البنيوي ذروته عقب سقوط نظام البشير في عام 2019، حيث تحول الدعم السريع إلى لاعب رئيسي في معادلة السلطة الانتقالية. ومع ذلك، بدأت صورة هذه القوات في التآكل تدريجياً، خاصة بعد الأحداث الدامية التي شهدتها البلاد في حزيران/ يونيو من العام ذاته، مما وضعها في مواجهة مع الشارع.

جاءت الانعطافة الحاسمة مع تفجر الخلافات حول عملية إصلاح القطاع الأمني ودمج القوات ضمن ما عرف بالاتفاق الإطاري أواخر عام 2022. هذا الخلاف التقني في ظاهره، والسياسي في جوهره، أدى في نهاية المطاف إلى الانفجار الكبير الذي شهده السودان في نيسان/ أبريل 2023، مدخلاً البلاد في حرب مفتوحة.

كشفت الحرب الحالية هشاشة البنية السياسية للدعم السريع رغم انتشارها الجغرافي الواسع وقدراتها القتالية الميدانية. وتعكس ظاهرة انشقاق القادة الميدانيين وانضمامهم إلى صفوف الجيش أزمة مشروع حقيقية، حيث فشلت هذه القوات في التحول إلى كيان سياسي يحظى بشرعية وطنية مقبولة.

ارتبط اسم الدعم السريع بملفات ثقيلة من الانتهاكات الجسيمة في مناطق الخرطوم ودارفور والجزيرة، وفق تقارير دولية صدرت بين عامي 2023 و2025. هذه الانتهاكات، لا سيما ما حدث مؤخراً في مدينة الفاشر، زادت من العزلة الداخلية لهذه القوات وضاعفت الضغوط الخارجية المسلطة عليها.

في المقابل، يدير الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان المعركة على مسارين متوازيين؛ أحدهما ميداني والآخر سياسي. تهدف استراتيجية الجيش إلى استعادة المواقع الاستراتيجية مع العمل على تفكيك بنية الخصم من الداخل عبر استيعاب المنشقين وتحييد العناصر الفاعلة.

يستند البرهان في تحركاته إلى خبرة طويلة في إقليم دارفور تراكمت منذ ثمانينيات القرن الماضي، مما منحه شبكة علاقات واسعة مع الإدارات الأهلية. هذه الخلفية التاريخية تمنح قيادة الجيش قدرة على اختراق بنية الولاءات القبلية التي تشكل العمود الفقري لقوات الدعم السريع.

تشير المعطيات الراهنة إلى إدراك متزايد لدى القيادة العليا للدعم السريع بمحدودية الخيارات المتاحة أمامها في ظل تراجع الحاضنة الاجتماعية. فكرة المشروع البديل للدولة التي روجت لها القوات عبر تحالفات سياسية لم تنجح في اكتساب شرعية حقيقية أو اعتراف دولي وازن.

يبرز خيار الاندماج أو التسويات الفردية كمخرج محتمل لبعض قيادات الصف الأول في الدعم السريع، وهو مسار تعززه سوابق تاريخية في السودان. ومع ذلك، فإن هذا الخيار يواجه تعقيدات ميدانية بالغة، خاصة في ظل ريبة الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام.

تخشى بعض القوى المسلحة المتحالفة مع الجيش أن تؤدي عمليات الدمج غير المدروسة إلى الإخلال بالتوازنات السياسية والعسكرية القائمة. هذه الهواجس، وإن لم تظهر بشكل صارخ للعلن، تظل عاملاً مؤثراً في صياغة أي اتفاقات مستقبلية لإنهاء الوجود المسلح المستقل للدعم السريع.

على الصعيد الإقليمي والدولي، تستمر المساعي لوقف نزيف الدم عبر منصات تفاوضية متعددة، أبرزها مفاوضات جدة وجهود الاتحاد الأفريقي. ورغم تعدد جولات التفاوض منذ أيار/ مايو 2023، إلا أن الوصول إلى اختراق حاسم ينهي الأزمة لا يزال يصطدم بتعقيدات الواقع الميداني.

يجد السودان نفسه اليوم أمام مفترق طرق تاريخي سيحدد شكل الدولة ومستقبلها السياسي لسنوات طويلة قادمة. فإما الوصول إلى دولة موحدة تحتكر فيها المؤسسة العسكرية الرسمية العنف المشروع، أو الانزلاق نحو ساحة مفتوحة لتعدد الجيوش وتنازع الشرعيات.

في الختام، لم يعد السؤال يتمحور حول القدرة العسكرية المحضة، بل حول القدرة على البقاء السياسي والاجتماعي في سودان ما بعد الحرب. إن مستقبل الدعم السريع بات مرتبطاً بمدى قدرته على الانخراط في مسار يعيده إلى بنية الدولة، أو الاستمرار في مواجهة قد تستنزف ما تبقى من قواه.

دلالات

شارك برأيك

مستقبل قوات الدعم السريع في السودان: بين خيارات الاندماج ومخاطر التفكك

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.