تعد الديانة الزرادشتية واحدة من أكثر الأديان القديمة إثارة للجدل في التاريخ الديني، حيث يسلط كتاب 'الزرادشتية تاريخاً وعقيدة وشريعة' للمؤلف خالد السيد محمد غانم الضوء على تفاصيل هذه الديانة التي نشأت في بلاد فارس. يقع الكتاب في نحو 400 صفحة، ويقدم دراسة مقارنة تحاول فك الاشتباك بين المفاهيم الوضعية والسماوية في هذه العقيدة التي حامت حولها الشبهات طويلاً.
تتمحور العقيدة الزرادشتية حول عبادة الإله الواحد 'أهورامزدا'، الذي يوصف بالإله الكبير المطلق المحاط بالملائكة، والذي اصطفى زرادشت ليكون داعيته ونبيه. ورغم الجدل حول كون زرادشت شخصية أسطورية أم حقيقية، إلا أن حضوره في التراث الديني ظل قوياً، حيث ينسب إليه إصلاح الديانة الوثنية الفارسية القديمة وتوجيهها نحو مفاهيم أخلاقية تركز على الحصاد والرفق بالحيوان.
تطرح الدراسة إشكالية العلاقة بين الزرادشتية والمجوسية، حيث يرجح الباحث أن المجوسية هي الأصل التاريخي الأقدم، بينما مثلت الزرادشتية مرحلة تطويرية أو إصلاحية لها. ويرى بعض الباحثين أن المجوسية هي 'الزرادشتية المحرفة' بعد أن بالغ أتباعها في تقديس النار وعبادتها، مما أخرجها عن سياقها التوحيدي الأول الذي دعا إليه مؤسسها.
يتناول الكتاب الاختلاف الواسع حول شخصية زرادشت وزمن ظهوره، فبينما يراه البعض أسطورة خيالية، يذهب اتجاه آخر لاعتباره شخصية حقيقية بل ويحاول البعض ربطه بالنبي إبراهيم عليه السلام. إلا أن الباحث يفند هذا الربط مستنداً إلى فوارق زمنية وجغرافية وعرقية شاسعة، حيث نشأ إبراهيم في العراق بينما ظهر زرادشت في أذربيجان ببلاد فارس.
تتلمذ زرادشت في صبغه على يد الحكماء وتعلم الطب والزراعة، وقضى سنوات طويلة في العزلة والتأمل الروحي في الكهوف قبل أن يعلن نزول الوحي عليه في سن الثلاثين. وتقول الروايات الزرادشتية إن كائناً نورانياً قاده إلى الملأ الأعلى ليتلقى أسرار الوحي من 'أهورامزدا'، ليبدأ بعدها رحلة شاقة لنشر دعوته واجه خلالها الاضطهاد والهجرة.
يعتبر كتاب 'الابستاق' أو 'الأفستا' هو المصدر المقدس الأول للزرادشتيين، ويضم مجموعة من الأسفار والترانيم التي تنسب لزرادشت نفسه. ويحتوي الكتاب على تشريعات كهنوتية وصلوات وطقوس عبادة، بالإضافة إلى سفر 'الفنديراد' الذي يبحث في خلق العالم ومقاومة الشيطان وأحكام الزواج والجنائز والميراث وطرق طهر الجسد والدار.
تشير الدراسة إلى تأثر واضح بين الزرادشتية والديانات السماوية، خاصة اليهودية التي احتكت بالفرس خلال فترة السبي البابلي، حيث ظهرت فكرة 'الشيطان' المركزية في الفكر اليهودي بعد هذا الاختلاط. كما تتقاطع الزرادشتية مع المسيحية في بعض المفاهيم المتعلقة بالصراع بين الخير والشر ومبدأ الشيطان كمصدر للشرور في العالم.
إن العقائد المتعددة والعبادات المتشعبة تدل على أن البشرية كانت دوماً بحاجة إلى أديان تنظم حياتها وتحكم تصرفاتها.
وفي السياق الإسلامي، يوضح الكتاب كيف تأثرت بعض الفرق الغالية بالأفكار الزرادشتية، خاصة فيما يتعلق بمفاهيم الحلول وتفويض تدبير الكون لغير الله. وتظهر هذه التأثيرات في بعض المعتقدات التي تبنتها فرق مثل اليزيدية، التي دمجت بين تقديس الخالق وتفويض الأمور لوسطاء، وهو ما يخالف صريح العقيدة الإسلامية التوحيدية.
تتفق الزرادشتية مع الإسلام في بعض العبادات الظاهرية، مثل فرض خمس صلوات في اليوم والليلة، والإيمان باليوم الآخر والبعث والحساب والصراط والجنة والنار. كما تحث الديانة على العمل الخيري والصدقات، وكان زرادشت يلقب بـ 'راعي الفقراء'، معتبراً أن معاونة البائس هي مساهمة في إقامة دولة الإله على الأرض.
على النقيض من ذلك، تحرم الزرادشتية الصوم تماماً، معتبرة إياه إرهاقاً للجسد وتعطيلاً للعقل، وهو ما يختلف عن المفهوم الإسلامي للصيام كرياضة روحية وتهذيب للنفس. كما تمنع الديانة الطلاق وترفض تعدد الزوجات، رغم أن الروايات التاريخية تشير إلى أن زرادشت نفسه تزوج بثلاث نساء، مما يظهر فجوة بين السيرة والممارسة التشريعية اللاحقة.
ينتقد المنظور الإسلامي الزرادشتية في عدة جوانب، أهمها القول بـ 'الاثنينية' أو وجود إلهين للنور والظلام، وهو ما يتنافى مع التوحيد الخالص. كما يرفض الإسلام ادعاءات الزرادشتية بأن إلههم يحتاج لمعاونين من الملائكة لتدبير الكون، أو أنه يجهل بعض مكنونات البشر، وهي نقائص ينزه الإسلام الذات الإلهية عنها.
تؤكد الدراسة أن الزرادشتية لم تتوفر فيها شروط 'العالمية' التي تمتاز بها الرسالة المحمدية، حيث ظلت محصورة في نطاق جغرافي وعرقي معين. فالإسلام يمتاز بشمولية الزمان والمكان والعمق التشريعي الذي يغطي حياة الإنسان من المهد إلى اللحد، بينما افتقرت الزرادشتية لهذا الامتداد الكوني والزمني الشامل.
خلص الباحث خالد غانم في ختام دراسته إلى أن الزرادشتية بدأت كدعوة توحيدية ثم خالطتها الوثنية والتحريف بمرور الزمن، مما حولها إلى ديانة وضعية في نظر الأديان السماوية. ورغم ذلك، لا يمكن إنكار الأثر العميق الذي تركته تعاليم زرادشت في الإمبراطورية الفارسية، حيث ساهمت في توسيع نفوذها وتنظيم شؤونها السياسية والاجتماعية.
يبقى كتاب 'الزرادشتية تاريخاً وعقيدة وشريعة' مرجعاً هاماً لفهم الجذور الفكرية لحضارة فارس القديمة، وكيفية تداخل الأساطير مع الحقائق التاريخية في صياغة الهوية الدينية. إنها محاولة جادة لقراءة التاريخ الديني بعيداً عن الانحيازات، مع الحفاظ على الثوابت العقدية في نقد الانحرافات التي طرأت على هذه الديانة عبر العصور.





شارك برأيك
الزرادشتية بين النبوة والتوحيد: قراءة في كتاب خالد غانم حول تاريخ وعقيدة فارس القديمة