أثارت التقارير الأخيرة تساؤلات جوهرية حول مدى دقة التقييمات الأمنية التي قدمتها حكومة بنيامين نتنياهو بشأن تدمير القدرات العسكرية الإيرانية. فبينما تصر القيادة الإسرائيلية على أنها نجحت في 'خنق' النظام الإيراني، تشير الوقائع الميدانية إلى أن طهران لم تظهر أي إشارات حقيقية على نفاد مخزونها الصاروخي الاستراتيجي.
وفي تطور ميداني لافت، دوت صفارات الإنذار في المدن الإسرائيلية الكبرى تزامناً مع احتفالات عيد الفصح، إثر إطلاق وابل صاروخي إيراني هو الأكبر منذ أسابيع. هذا القصف المتواصل دفع مراقبين دوليين للتساؤل عن جدوى الغارات الجوية المكثفة التي استهدفت مواقع الإنتاج والتخزين الإيرانية طوال الأشهر الماضية.
وتشير مصادر صحفية إلى أن التقديرات الإسرائيلية التي أُعلنت عقب حرب يونيو 2025، والتي وصفت حينها بـ 'النصر التاريخي'، قد تكون انطوت على مبالغات كبيرة. فرغم الضربات العنيفة، استأنفت إيران إنتاج الصواريخ بوتيرة متسارعة، مما جعل الإسرائيليين يعيشون حالة استنفار دائم بحثاً عن الملاجئ.
وعلى الرغم من انخفاض الكثافة العددية للصواريخ مقارنة باليوم الأول للحرب، إلا أن إيران نجحت في الحفاظ على معدل إطلاق يومي مستقر. هذا الاستقرار يعكس قدرة لوجستية على المناورة وتجاوز الضربات الجوية الإسرائيلية والأمريكية المشتركة التي استهدفت البنية التحتية العسكرية الإيرانية.
ويرى محللون غربيون أن أحد أسباب هذا الصمود يعود إلى امتلاك إيران لمنصات إطلاق تفوق بكثير ما كان يعتقده المراقبون الخارجيون. هذه المنصات تتميز بقدرة عالية على التمويه، حيث يتخذ الكثير منها شكل شاحنات مدنية يصعب رصدها وتتبعها في جغرافيا إيران الشاسعة.
كما لجأت طهران إلى استراتيجية توزيع ترسانتها في محافظات شرقية بعيدة، مما يعقد مهام الطيران الحربي الذي يواجه صعوبة في التحليق لفترات طويلة في تلك المناطق. وقد تم تزويد بعض هذه الصواريخ برؤوس حربية أخف وزناً لضمان وصولها إلى أهدافها من مسافات أبعد بكثير.
وفي حين تزعم إسرائيل أنها دمرت نحو ثلاثة أرباع منصات الإطلاق، تشير تقييمات استخباراتية أمريكية حديثة إلى أن نصف هذه المنصات لا يزال سليماً وجاهزاً للعمل. ويبدو أن 'مدن الصواريخ' المحصنة تحت الأرض قد لعبت دوراً حاسماً في حماية هذه القدرات من القصف الجوي المركز.
ربما يُعذر الإسرائيليون لو تشككوا بكلام نتنياهو، خاصة أنه أعلن نصراً تاريخياً في 2025 بينما لا يزالون يهرعون للملاجئ اليوم.
وتشير المعلومات إلى أن الفرق الإيرانية أظهرت مرونة عالية في إخلاء مداخل الكهوف والأنفاق فور تعرضها للقصف، مما سمح بإخراج المنصات وتنفيذ عمليات إطلاق مباغتة. وقد ساهمت الظروف الجوية الغائمة في بعض الأحيان بتوفير غطاء طبيعي لهذه التحركات بعيداً عن أعين الأقمار الصناعية.
إن بناء البرنامج الصاروخي الإيراني الذي بدأ منذ عقود لم يكن مجرد عملية تجميع أسلحة، بل استثماراً بمليارات الدولارات في شبكة معقدة من التصنيع والبحث. هذه الشبكة لم تقتصر على الداخل الإيراني، بل امتدت لتشمل تزويد حلفاء إقليميين بالخبرات التكنولوجية اللازمة لإنتاج ترساناتهم الخاصة.
وفي هذا السياق، لا يزال حزب الله في لبنان يمثل تهديداً قائماً رغم تدمير جزء من مخازنه الكبرى، حيث تقدر مصادر عسكرية امتلاكه لآلاف الصواريخ قصيرة المدى. هذه القدرات تمنحه القدرة على ضرب أهداف حيوية في العمق الإسرائيلي، مما يزيد من تعقيد الحسابات الأمنية في المنطقة.
كما برزت مؤشرات على تنسيق إقليمي أوسع، حيث تشير تقارير إلى استخدام صواريخ متوسطة المدى لاستهداف قواعد عسكرية خارج النطاق الجغرافي المباشر، مثل القاعدة البريطانية في قبرص. هذا التوسع في بنك الأهداف يعكس رغبة إيرانية في إظهار قدرتها على التأثير في مسارات الصراع الإقليمي.
وعلى الرغم من الضربات التي استهدفت مصانع الصلب ومراكز الأبحاث الإلكترونية، إلا أن القدرة على مواصلة الإطلاق تظل قائمة ومؤثرة. ويعتقد خبراء أن إعادة بناء الترسانة بالكامل قد يستغرق سنوات، لكن المخزون الحالي يكفي لمواصلة حرب استنزاف طويلة الأمد ضد الأنظمة الدفاعية.
من جهة أخرى، يقر ضباط في الجيش الإسرائيلي بأن السيناريوهات المرعبة التي وضعت في بداية الحرب حول دمار شامل في المدن الكبرى لم تتحقق بالكامل. ومع ذلك، فإن فشل إيران في 'إغراق' الدفاعات الجوية لا يعني بالضرورة انتهاء التهديد، بل تحوله إلى نمط أكثر استدامة وإزعاجاً.
في نهاية المطاف، يظل النظام الإيراني قادراً على استخدام ورقة الصواريخ كأداة محورية في استراتيجيته الدفاعية والهجومية على حد سواء. ورغم الخسائر المادية والبشرية، لم تظهر طهران أي بوادر للانهيار العسكري، مما يضع القيادة الإسرائيلية أمام واقع ميداني مغاير للوعود السياسية.





شارك برأيك
صمود الترسانة الإيرانية: هل أخطأت إسرائيل في تقدير حجم الدمار؟