عربي ودولي

الأحد 05 أبريل 2026 4:58 مساءً - بتوقيت القدس

دبلوماسية 'الشرع' في أوروبا: مساعٍ لإنهاء العزلة الدولية وإعادة هيكلة الدولة السورية

شكلت الجولة الدبلوماسية الأخيرة للرئيس أحمد الشرع في ألمانيا وبريطانيا نقطة تحول مفصلية في مسار السياسة الخارجية السورية. تهدف هذه التحركات إلى إعادة تموضع دمشق كفاعل إقليمي يسعى لتحقيق الاستقرار وإنهاء العزلة الدولية الطويلة. ولم تعد الدولة تكتفي بالبحث عن القبول السياسي، بل تقدم رؤية قائمة على مؤسسات القانون وجذب الاستثمار العالمي.

تستند الدبلوماسية السورية الجديدة إلى قراءة واقعية للمتغيرات الدولية المعقدة، محاولةً تحويل البلاد إلى جسر استراتيجي للطاقة وسلاسل التوريد. وتتحرك هذه الجهود بحذر ومرونة بين العواصم الكبرى لضمان تأمين مصالح الأمن القومي السوري. إن الرغبة الجادة في الانفتاح الاقتصادي تتطلب بيئة سياسية مستقرة قادرة على طمأنة الشركاء الدوليين.

يعتبر حصر السلاح بيد الدولة وفرض سيادة القانون الركيزة الأساسية في رؤية الرئيس الشرع للمرحلة الانتقالية المقبلة. وقد شدد في حواراته الأوروبية على أنه لا مكان للفصائل المسلحة في مستقبل سوريا، مؤكداً على حتمية بناء منظومة قانونية متكاملة. هذا التوجه يهدف إلى تأسيس شرعية مجتمعية ودولية متينة تنهي حقبة التشرذم العسكري.

تتضمن الرؤية السياسية المطروحة صياغة دستور جديد للبلاد عبر لجان تنبثق عن مجلس الشعب، لضمان انتقال حقيقي نحو التعددية. وتمثل هذه الخطوة ضمانة أساسية لإجراء انتخابات حرّة تلبي تطلعات السوريين بعيداً عن أخطاء التجارب السابقة. ويسعى الوعي المؤسسي الجديد إلى تجاوز العقبات التي عرقلت بناء الدولة في السنوات الماضية.

انتهجت سوريا في جولتها الأوروبية سياسة القياس الدقيق للنأي بالنفس عن محاور الصراع الإقليمية والدولية المشتعلة. وتجلى ذلك في الموقف الواضح تجاه التدخلات الخارجية، مع التأكيد على التأني في تطبيع العلاقات مع القوى التي ساهمت في معاناة الشعب. هذا القرار السيادي يهدف لحماية البلاد من الاستهداف المباشر وتجنب الصراعات العبثية.

أكدت مصادر مطلعة أن التواجد السوري في مراكز القرار العالمي، من واشنطن إلى موسكو، يبرهن على حيوية النهج الدبلوماسي الجديد. وتسعى دمشق من خلال هذا الحضور إلى تحويل سوريا من ساحة صراع إلى منطقة استقرار وجذب للاستثمارات الكبرى. إن النأي بالنفس لا يعني العزلة، بل هو استراتيجية لحماية وحدة البلاد ومصالحها العليا.

تحول ملف التعافي الاقتصادي من مجرد المطالبة بالمعونات الإنسانية إلى طرح فرص استثمارية ضخمة في قطاعات حيوية. وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن قطاع الطاقة إلى توجه الدولة لإنتاج نحو 5000 ميغاواط من الكهرباء التقليدية. بالإضافة إلى ذلك، هناك خطط طموحة لمشاريع الطاقة المتجددة بقدرة تصل إلى 4700 ميغاواط لتلبية الاحتياجات المتزايدة.

تسعى سوريا فعلياً لإعادة بناء بنية تحتية متطورة عبر تفاهمات استراتيجية مع شركات عالمية رائدة في مجالات الطاقة والغاز. ويشمل ذلك تطوير نظام قيادة وتشغيل الشبكة الكهربائية الوطنية وتحديث منشآت الإنتاج المتضررة. إن هذه الرؤية تعتمد على تحويل الدمار الذي خلفته الحرب إلى نقطة انطلاق لنهضة عمرانية وصناعية شاملة.

تفتح الحاجة الماسة لملايين الوحدات السكنية أبواباً واسعة أمام الشركات الدولية الطامحة للمشاركة في نهضة سوريا الحديثة. ويهدف هذا التوجه إلى تجاوز آثار المرحلة السابقة عبر بناء مدن ومجتمعات عمرانية متطورة تنهي أزمة السكن. وتعتبر الحكومة السورية أن الاستثمار في البنية التحتية هو المفتاح الحقيقي لتحقيق الاستقرار الاجتماعي.

يمثل اللاجئون السوريون في أوروبا ركيزة أساسية في مشروع النهوض الوطني الذي تطرحه القيادة السورية حالياً. وقد برز مفهوم 'الهجرة الدائرية' كحل إبداعي يسمح للكفاءات من أطباء ومهندسين بنقل خبراتهم إلى وطنهم الأم. هذا المسار يضمن استمرار ارتباط المغتربين بمجتمعاتهم الجديدة مع المساهمة الفاعلة في إعمار بلادهم.

يهدف الربط بين عودة اللاجئين وعملية إعادة الإعمار إلى تحويل هذا الملف من أزمة إنسانية ضاغطة إلى محرك اقتصادي. ومن شأن عودة الكفاءات أن تسهم في سد فجوة البطالة وزيادة عجلة الإنتاج المحلي في مختلف القطاعات. وقد أظهرت اللقاءات مع الجاليات السورية رغبة واسعة في المشاركة في بناء المستقبل الوطني.

يعتبر المبدعون السوريون في الخارج جسراً حضارياً يربط سوريا بالعالم المتقدم وينقل التجارب التقنية والإدارية الناجحة. وتسعى الدولة لتوطين هذه الخبرات في التربة الوطنية بما يخدم المصلحة القومية العليا ويسرع من وتيرة التنمية. إن الشراكة بين الداخل والخارج هي الضمانة الحقيقية لتحقيق نهضة مستدامة تليق بتضحيات الشعب.

يبقى التحدي الأكبر أمام هذا الزخم الدبلوماسي هو مدى القدرة على تحويل الوعود والأرقام إلى واقع ملموس يلمسه المواطن. ويواجه هذا المسار تحديات جسيمة تتعلق بثقة المستثمرين والبيئة المالية والتنظيمية التي تحتاج لإصلاحات هيكلية عميقة. إن الرهان الحقيقي يبدأ الآن من خلال تنفيذ التفاهمات الموقعة على أرض الواقع.

تتطلع سوريا نحو أفق مشرق يستند إلى ركائز السيادة والقانون، لتتحول إلى مركز استراتيجي للاستقرار في قلب المنطقة. ومع اكتمال مسار العدالة الانتقالية والتحول الديمقراطي، يطمح السوريون لبناء دولة عصرية تستثمر في الإنسان. إن النجاح في هذا المسار سيجعل من سوريا نموذجاً ملهماً في النهوض من الركام وصناعة المستقبل.

دلالات

شارك برأيك

دبلوماسية 'الشرع' في أوروبا: مساعٍ لإنهاء العزلة الدولية وإعادة هيكلة الدولة السورية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.