أقلام وأراء

السّبت 04 أبريل 2026 7:04 مساءً - بتوقيت القدس

سفاراتنا في الخارج: من "قلاع للثورة" إلى "مكاتب للاغتراب الوطني"

بقلم الاسير المحرر والمبعد رائد نزار عبدالجليل 

بين عتمة الزنازين وبريق الأمل، كان الأسرى الفلسطينيون يرقبون افتتاح كل سفارة جديدة لفلسطين كأنه استرداد لجزء من أرض سُلبَت. بالنسبة للمناضل خلف القضبان، لم تكن السفارة مجرد مبنى إداري، بل كانت تجسيداً مادياً لتضحياته، واعترافاً دولياً بأن الدم النازف قد أثمر كيانية سياسية تحمي أبناءها في شتاتهم القهري. لكن الصدمة الكبرى كانت في "المواجهة الأولى" مع هذا الواقع عند الإبعاد، وتحديداً في "قلب العروبة" النابض، القاهرة.

الغربة داخل البيت الوطني

إن التجربة التي عاشها الأسرى المبعدون إلى مصر تكشف عن فجوة هائلة بين "الرواية الوطنية" التي تروجها الدبلوماسية، وبين "الممارسة الفعلية" على الأرض. فبدلاً من أن تكون السفارة هي الجهة التي تستقبل المحررين وتلملم جراح سنوات الأسر، وجد المبعدون أنفسهم أمام جدار من التجاهل، بل وأحياناً أمام محاولات لزعزعة وحدتهم من خلال تقارير كيدية وتصنيفات سياسية لا تخدم إلا سياسة "فرق تسد".

لقد تحولت السفارة في نظر الكثيرين من "ملاذ وطني" إلى "عبء بيروقراطي"، يمارس الإهمال والتقصير بحق من دفعوا ضريبة الدم والانتماء، وهو ما يطرح تساؤلاً جوهرياً: لمن تُفتح هذه السفارات إذا لم تكن لخدمة وحماية الإنسان الفلسطيني؟

مأساة رياض العمور: الإهمال الذي يرتقي للجريمة

جاءت قضية الشهيد رياض العمور لتقطع الشك باليقين وتضع الجميع أمام مسؤولياتهم الأخلاقية والقانونية. ما حدث من إهمال متعمد—كما يؤكد رفاقه—من قبل السفارة والمستشار الطبي، لا يمكن إدراجه تحت بند "الخطأ الإداري"، بل هو طعنة في خاصرة الوفاء للأسرى.

إن قرار وقف المستشار الطبي وإحالته للتحقيق هو خطوة أولية ضرورية، لكنها تظل منقوصة إذا لم تتبعها مراجعة شاملة لمنظومة العمل في سفارة القاهرة وباقي السفارات. فالسفارة التي تعجز عن توفير الرعاية الطبية والمتابعة الحثيثة لمناضل أفنى عمره في السجون، هي سفارة فقدت بوصلتها الوطنية.

هذا ناهيك عن الإشاعات  والأحاديث التي تدور 

 حول تحول بعض الأروقة الدبلوماسية إلى "مكاتب عقارية وتجارية"، وانشغالها بملفات الفساد والسمسرة بعيداً عن هموم الناس، خاصة أهلنا النازحين من غزة الذين يواجهون أهوالاً لا تحتمل. عندما يصبح الفرد أو المؤسسة الأهلية أكثر احتراماً ودوراً من "السفارة الرسمية" لدى الدولة المضيفة ولدى أبناء الشعب، فنحن أمام كارثة تمثيلية تتطلب تدخلاً جراحياً عاجلاً من القيادة الفلسطينية.

المطلوب: ثورة في العمل الدبلوماسي

إن القضية الوطنية لا يمكن أن تُمثَّل بـ "سفراء بلا روح" أو بموظفين يتعاملون مع المناضلين كأرقام أو أعباء. المطلوب اليوم هو:

1.    تطهير العمل الدبلوماسي: من عقلية "التقارير الكيدية" والفساد المالي والإداري.

2.    إعادة الاعتبار للأسرى والمبعدين: ليس كمنحة أو صدقة، بل كحق أصيل لهم بصفتهم حراس الرواية الوطنية.

3.    المحاسبة العلنية: في قضية الشهيد رياض العمور، لتكون رسالة لكل مقصر بأن دماء الفلسطينيين ليست رخيصة.

ختاماً،

إن سفاراتنا هي قلاعنا في الخارج، وإذا سقطت هذه القلاع في فخ الفساد أو الإهمال، فإننا نخسر معركة الرواية والتمثيل. على القيادة الفلسطينية أن تدرك أن بقاء الوضع على ما هو عليه سيعمق الفجوة بين الشعب ومؤسساته، والشعب الذي صبر على القيد لن يصبر على الإهانة داخل بيته الوطني.وعليه، فإننا نتوجه بهذه الرسالة والصرخة الوطنية إلى سيادة الرئيس محمود عباس، وإلى الأخ نائب الرئيس حسين الشيخ، وإلى الأخ نائب رئيس الحركة محمود العالول؛ إن الأمانة التي تحملونها تقتضي اليوم وقفة حاسمة ومسؤولة لتصويب مسار العمل الدبلوماسي، وتطهير السفارات من كل ما يشوبها من لغط أو تقصير. إن دماء الشهيد رياض العمور ومعاناة الأسرى المبعدين وأوجاع أهلنا في غزة، تناديكم لاتخاذ إجراءات عملية تعيد للسفارة دورها كقلعة للمناضلين لا كمساحة للاجتهادات الشخصية أو المصالح الضيقة. إن شعبنا لا ينتظر المزيد من الضحايا، بل ينتظر قراراً يحفظ كرامة الفلسطيني أينما وجد.

دلالات

شارك برأيك

سفاراتنا في الخارج: من "قلاع للثورة" إلى "مكاتب للاغتراب الوطني"

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.