أصدر رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، تعليمات مباشرة إلى المؤسسة الوطنية للنفط بضرورة اتخاذ الإجراءات القانونية لفسخ التعاقد مع شركة 'أركنو' النفطية الخاصة. وجاء هذا التوجيه في كتاب رسمي طالب فيه المؤسسة بالالتزام بالقوانين واللوائح السارية، مشيراً إلى أن الدافع وراء هذا القرار هو الاستجابة لمطالب الرأي العام وتجنب الشبهات التي أحاطت بنشاط الشركة.
تأسست شركة 'أركنو' في عام 2022، وسرعان ما تحولت إلى كيان نافذ في قطاع الطاقة الليبي، حيث استحوذت على حصص من النفط الخام وتولت عمليات تطوير في حقول استراتيجية. وقد أثار هذا الصعود السريع جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والاقتصادية، خاصة في المنطقة الغربية، نظراً لحداثة تأسيس الشركة وحجم الامتيازات الضخمة التي منحت لها في وقت قياسي.
وتشير المعلومات إلى أن الشركة حصلت على نصيب وافر من العمليات النفطية وحصة من الصادرات، وسط اتهامات بوجود تجاوزات تتعلق برأس مالها والتمويل المفترض تقديمه للمشروعات. وقد عزز تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة هذه المخاوف، بعد أن كشف عن بيانات وصفت بالصادمة حول حجم الأموال التي سيطرت عليها الشركة وهوية المستفيدين الحقيقيين منها.
ويرى مراقبون أن 'أركنو' لم تكن مجرد شركة تجارية، بل مثلت حجر الزاوية في التفاهمات السياسية بين سلطات طرابلس والقيادة العامة في شرق ليبيا. فقد جاء ظهورها في سياق محاولات حكومة الوحدة لإنهاء أزمات إغلاق الحقول النفطية والوصول إلى صيغة سلمية لتقاسم الموارد مع الأطراف المسيطرة على الموانئ في الشرق.
وضمن هذا المسار التوافقي، تم تعيين فرحات بن قدارة رئيساً للمؤسسة الوطنية للنفط، وهو ما مهد الطريق لاعتماد صيغة 'أركنو' كأداة لتخصيص إيرادات النفط. إلا أن هذه الصيغة ولدت في بيئة مأزومة، مما جعلها تفتقر إلى الأسس القانونية المتكاملة، وأدى في نهاية المطاف إلى انكشاف ما وصفه البعض بـ 'عوار الفساد' في هيكليتها وصلاحياتها.
واستندت الشركة في قوتها إلى قرارات رسمية، منها قرار مجلس وزراء حكومة الوحدة رقم 685 لسنة 2023، وقرار مؤسسة النفط رقم 288 للعام ذاته. وبموجب هذه القرارات، أصبحت 'أركنو' شريكاً فعلياً في إنتاج النفط من حقلي مسلة والسرير، مع منحها حق التصدير عبر ميناء الحريقة، وهو ما اعتبره خبراء سابقة في منح شركات خاصة حقوقاً سيادية.
وتحدثت مصادر مطلعة عما وصفته بـ 'عملية تحايل' تتعلق بالتزامات الشركة المالية، حيث كان من المفترض أن تضخ استثمارات بقيمة مليار دولار في الحقول القائمة. وتؤكد التقارير أن الشركة لم توفِ بهذه الالتزامات، بل إنها حصلت على قروض بقيمة أقل بكثير من الاستثمار المشروط، مما وضع الحكومة ومؤسسة النفط في موقف محرج أمام الرأي العام.
توجيه الحكومة لمؤسسة النفط بإنهاء التعاقدات مع أركنو يصب في اتجاهات عدة، ولا يقف عند احترام الرأي العام، بل يتعداه إلى استخدام الورقة في التدافع السياسي الراهن.
غياب الإيضاحات الرسمية من الجهات المسؤولة ساهم في تعميق الشكوك حول أنشطة الشركة، وأكد شبهات الفساد التي باتت تلاحقها في المحافل الدولية والمحلية. وقد حاول الدبيبة في وقت سابق احتواء الغضب الشعبي بإحالة ملف الشركة إلى جهات الرقابة والمحاسبة ومكتب النائب العام، إلا أن المسار القضائي لم يسفر عن نتائج حاسمة حتى الآن.
ويأتي التحرك الأخير للحكومة في ظل ضغوط دولية متزايدة، خاصة مع صدور تقرير خبراء الأمم المتحدة الذي ضاعف من حساسية الملف وعبئه السياسي على السلطة التنفيذية. كما تلعب التحركات الدبلوماسية الأمريكية، التي يقودها مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي، دوراً في إعادة صياغة التوجهات الحكومية تجاه ملفات الطاقة الشائكة.
ويرى محللون أن قرار إنهاء التعاقد قد لا يكون مجرد استجابة للرأي العام، بل قد يمثل ورقة ضغط في التدافع السياسي الراهن بين الأقطاب الليبية المتصارعة. وما يعزز هذا التحليل هو أن الحكومة لم تصدر حتى الآن قراراً رسمياً يلغي قرارها السابق رقم 685، مما يترك الباب موارباً أمام احتمالات سياسية جديدة.
إن حالة الارتباك التي شابت تعامل الحكومة مع ملف 'أركنو' تعكس عمق الأزمة الهيكلية في إدارة موارد الدولة الليبية وتداخل المصالح بين الخصوم السياسيين. فالشركة التي ولدت من رحم 'تفاهمات الضرورة' أصبحت اليوم عبئاً أخلاقياً وسياسياً يهدد شعبية الحكومة وقدرتها على المناورة في ملف النفط الحساس.
ورغم التوجيه بإنهاء التعاقد، إلا أن التساؤلات تظل قائمة حول مصير الأموال والامتيازات التي تم تحصيلها خلال الفترة الماضية، ومدى قدرة القضاء على محاسبة المتورطين. كما يظل الترقب سيد الموقف بشأن رد فعل القيادة العامة في الشرق، التي كانت شريكاً غير مباشر في هذه الترتيبات النفطية والمالية.
من غير المستبعد أن ينتهي دور 'أركنو' ككيان قانوني، لكن من المبكر الجزم بأن مسار التوافق غير المعلن بين طرابلس وبنغازي قد وصل إلى نهايته المحتومة. فالتوجه نحو التهدئة النفطية يبدو خياراً استراتيجياً لحكومة الوحدة، وأي تراجع عنه قد يؤدي إلى العودة لمربع النزاع الحاد وإغلاق المنشآت الحيوية.
في الختام، تظل قضية 'أركنو' نموذجاً صارخاً لكيفية إدارة الموارد في ظل الانقسام السياسي، حيث تذوب الحدود بين المصلحة الوطنية والمكاسب الفئوية. وسيكون لقرار إنهاء التعاقد تداعيات واسعة على خارطة التحالفات القادمة، خاصة مع اقتراب استحقاقات سياسية ودولية تتطلب شفافية أكبر في قطاع الطاقة الليبي.





شارك برأيك
الدبيبة يوجه بإنهاء التعاقد مع شركة 'أركنو' النفطية وسط اتهامات بالفساد وتجاوزات مالية