أقلام وأراء

السّبت 04 أبريل 2026 2:48 مساءً - بتوقيت القدس

مأزق 'الحدية' في الوعي السوري: بين صراع المحاور وأزمات الهوية الداخلية

تتجلى في المشهد السوري المعاصر حالة من الحدية المفرطة عند مقاربة القضايا المحلية والإقليمية، حيث تسيطر ثنائية 'الأبيض والأسود' على مواقف الجمهور. هذه الحالة لا تنتمي إلى العمل السياسي البراغماتي القائم على المصالح، بل تعكس ما يمكن وصفه بـ 'البداوة السياسية' التي تعتمد على قناعات مسبقة ومشاعر انفعالية تتجاوز القراءة التاريخية الدقيقة للظروف الراهنة.

يبرز هذا الانقسام بوضوح في الموقف من الصراع الدائر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. فبينما يندفع جزء من السوريين لتأييد أي تحرك ضد طهران نتيجة دورها في قمع تطلعاتهم نحو الحرية ودعمها المطلق لنظام الأسد، يرى آخرون ضرورة التريث في إطلاق الأحكام القيمية بعيداً عن الحسابات الاستراتيجية الكبرى للمنطقة.

لا يمكن إنكار الغضب السوري المبرر تجاه السياسات الإيرانية التي ساهمت وجودياً في توطيد الاستبداد وتشريد الملايين على مدار العقد الماضي. لقد كانت إيران شريكاً مباشراً في إجهاض حلم السوريين بإنهاء الحكم الشمولي، مما جعل الموقف منها يتجاوز الخلاف السياسي ليصل إلى مستوى الصراع الوجودي والثأر الأخلاقي.

ومع ذلك، فإن الوقوف غير المشروط إلى جانب إسرائيل في حربها ضد إيران يطرح إشكالية سياسية وأخلاقية معقدة تتعلق بمستقبل المنطقة والقضية الفلسطينية. فالهزيمة العسكرية لإيران، رغم أنها قد تضعف نفوذها في الدول العربية، إلا أنها ستمثل انتصاراً استراتيجياً للمشروع الإسرائيلي وتوجيه صفعة قوية لداعمي المقاومة الفلسطينية.

إن القضية الفلسطينية تظل الاختبار الحقيقي للعقل السياسي العربي والسوري على حد سواء، باعتبارها قضية وجودية لا يمكن القفز فوقها. ومن هنا ينشأ التناقض؛ فبقاء إيران قوية يعني استمرار دعم الفلسطينيين، لكنه يعني أيضاً استمرار التدخلات التي تعيق نشوء دول موحدة ومستقرة في لبنان والعراق وسوريا.

هذه الإشكالية المعقدة تتطلب تفريقاً دقيقاً بين السياقات، فالموقف السياسي يجب أن يُبنى على المصالح العليا للأمة وليس على مشاعر الشماتة أو الانفعال اللحظي. إن استقالة العقل السياسي أمام الرغبة في الانتقام قد تؤدي إلى نتائج كارثية تخدم القوى الاستعمارية والاحتلال في نهاية المطاف.

ولا يقتصر هذا الانقسام الحدي على الملفات الخارجية، بل يمتد ليشمل أدق التفاصيل المحلية في الداخل السوري، كما حدث مؤخراً تجاه قرار تنظيم بيع المشروبات الروحية في دمشق. لقد تحول قرار إداري بسيط إلى ساحة حرب هوياتية وأخلاقية، استخدمت فيها لغة التخوين والتحقير بين مختلف التيارات المجتمعية.

لقد كشف السجال حول قرار محافظ دمشق عن عمق الفجوة بين المكونات السورية، حيث تم توظيف مصطلحات مثل 'العلمانية' و'الكفر' في سياق صراع طائفي ومناطقي مبطن. هذا النوع من الصراعات يثبت أن الوعي بالحقوق الأساسية للإنسان، سواء كانت مدنية أو اجتماعية، لا يزال غائباً عن قطاعات واسعة من الجمهور.

إن استخدام وصف 'الجمهور' بدلاً من 'الشعب' يعكس واقعاً مريراً يتمثل في غياب الرابط الوطني الجامع الذي يحول التجمعات البشرية إلى شعب منتمٍ لدولة. فالشعب يتشكل عندما تجتمع الإرادات على غاية وطنية كبرى، وهو ما يفتقده السوريون في ظل غياب مؤسسة الدولة الحقيقية التي تحمي الحقوق الفردية.

تاريخياً، ساهم غياب الدولة في سوريا في تعزيز الانتماءات الفرعية الدينية والطائفية والإثنية على حساب الهوية الوطنية الشاملة. وبدلاً من أن يكون الاختلاف مصدر ثراء ضمن وحدة الدولة، أصبح أداة للتفتيت والنزاع الحدي الذي يظهر عند كل منعطف سياسي أو اجتماعي.

إن الحالة السورية الراهنة توصف بأنها 'وطن دون دولة'، حيث تسيطر السلطة دون وجود مؤسسات وطنية حقيقية، وتطغى المواقف الانفعالية على الوعي السياسي الناضج. هذا الفراغ المؤسسي هو المسؤول الأول عن عدم نشوء وعي وطني يعلو فوق الخلافات الأيديولوجية الضيقة.

المسألة السورية اليوم تتطلب إعادة تعريف لمفهوم المواطنة بعيداً عن الاصطفافات الحادة التي تمزق النسيج الاجتماعي. فبدون دولة وطنية تمثل 'الخير الأسمى' للمجتمع، سيبقى السوريون أسرى لردود الأفعال المتناقضة التي تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية الموحدة.

في الختام، يظل العقل السوري مطالباً بتجاوز حالة 'اللامعقول السياسي' والبحث عن نقاط تقاطع تحفظ المصالح الوطنية العليا بعيداً عن التبعية للمحاور الخارجية. إن الطريق نحو بناء شعب سوري حقيقي يبدأ من الاعتراف بالحقوق والحريات كقيمة مطلقة لا تخضع للمساومات الطائفية أو السياسية.

إن التحدي الأكبر يكمن في كيفية تحويل هذا 'الجمهور' المنقسم إلى 'شعب' يدرك معنى الدولة والمواطنة، وهي مهمة تتطلب مراجعة شاملة للموروثات الثقافية والسياسية التي كبلت الوعي السوري لعقود طويلة تحت وطأة الاستبداد والحروب.

دلالات

شارك برأيك

مأزق 'الحدية' في الوعي السوري: بين صراع المحاور وأزمات الهوية الداخلية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.