كشفت مصادر ومحللون متخصصون في شؤون الشرق الأوسط أن التراجع المفاجئ في حدة المواجهة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإيران جاء نتيجة ضغوط وتحذيرات مباشرة من دول الخليج. وأوضحت المصادر أن العواصم الخليجية أبلغت واشنطن بأن الحرب تتجه نحو منعطف خطير قد يخرج عن السيطرة ويحرق الأخضر واليابس في المنطقة.
وأكدت ثلاثة مصادر إقليمية أن دول الخليج حذرت الإدارة الأمريكية من أن أي غارات تستهدف محطات الكهرباء الإيرانية ستقابل برد انتقامي مباشر يستهدف المنشآت الحيوية للطاقة وتحلية المياه في دول الجوار. هذا التحذير جاء في وقت حساس تزايدت فيه المخاوف من شلل تام في إمدادات المياه والكهرباء بالمنطقة الخليجية.
وكان الرئيس ترمب قد لوح سابقاً بقصف منشآت الطاقة الإيرانية في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية. إلا أن طهران أبدت صموداً غير متوقع ورفضت الاستسلام للتهديدات الأمريكية، مما أبقى المضيق مغلقاً وتسبب في قفزة هائلة بأسعار الطاقة العالمية.
وأفادت مصادر بأن طهران نقلت رسالة واضحة عبر وسيط عربي إلى عواصم المنطقة، مفادها أن أي استهداف لبنيتها التحتية سيواجه برد غير محدود يتجاوز القواعد المعمول بها سابقاً. هذا التهديد الإيراني الجدي دفع واشنطن لإعادة تقييم الموقف العسكري والبحث عن مخارج سياسية للأزمة المتفاقمة.
من جانبه، اعتبر الدبلوماسي الأمريكي السابق آلان آير أن ترمب أخطأ في تقديراته عندما منح طهران مهلة 48 ساعة لفتح المضيق، مشيراً إلى أن التراجع الأمريكي أصبح حتمياً بعد التأكد من استعداد إيران لضرب البنية التحتية الخليجية. ويرى خبراء أن طهران فاجأت واشنطن بقدرتها على التصعيد بلا قيود أو تحفظات.
وفي سياق متصل، صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، بأن الرئيس ترمب يرى أن الولايات المتحدة تقترب من تحقيق أهداف عملية 'ملحمة الغضب'. وأكدت أن واشنطن تظل على اتصال وثيق مع الشركاء في الشرق الأوسط لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الإرهابية للنظام الإيراني تجاه جيرانه.
ويرى مراقبون أن توقف الغارات الأمريكية يمثل اعترافاً ضمنياً بأن تكاليف الحرب باتت تفوق المكاسب السياسية المتوقعة من استعراض القوة. وتجري حالياً جهود دبلوماسية مكثفة في الكواليس تقودها أطراف دولية وإقليمية مثل باكستان وتركيا ومصر للحد من تداعيات الأزمة ومنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة.
أخطأ ترمب تماماً في تقديره عندما حدد مهلة 48 ساعة لفتح المضيق، واضطر للتراجع بمجرد تأكده من جدية الرد الإيراني على البنية التحتية في الخليج.
وبحسب مصادر رفيعة في طهران، فإن الموقف التفاوضي الإيراني أصبح أكثر صلابة منذ اندلاع المواجهات العسكرية الأخيرة. وتسعى إيران للحصول على ضمانات دولية ملزمة تمنع أي عمل عسكري مستقبلي ضد أراضيها، بالإضافة إلى المطالبة بتعويضات عن الخسائر المادية والسيطرة الرسمية على حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وفي تعليق على هذه التطورات، رحب الباحث في العلاقات الدولية مبارك آل عاتي بأي مسار تفاوضي قد تستضيفه إسلام آباد، مؤكداً أن السعودية ودول الخليج تدعم الحلول التي تفضي إلى وقف مستدام للحرب. وشدد آل عاتي على ضرورة ألا تكون المفاوضات مجرد هدنة مؤقتة تمنح الأطراف فرصة لإعادة التموضع والقتال مجدداً.
وحدد آل عاتي ثلاثة مرتكزات أساسية للموقف الخليجي، تبدأ بوقف الحرب بشكل نهائي، وضمان عدم استخدام المفاوضات كغطاء للعودة للتصعيد، وصولاً إلى معالجة جذور النزاع لضمان عدم تكراره. وأشار إلى أن فتح مضيق هرمز يمثل إنجازاً اقتصادياً كبيراً لترمب، لكنه قد يأتي بثمن سياسي باهظ.
وعلى الرغم من خطاب الانتصار الذي تتبناه طهران داخلياً، يرى محللون أن الضربات العسكرية التي استهدفت العمق الإيراني قد أحدثت تغييرات في ميزان القوى الداخلي. ويعتقد البعض أن استمرار الضغوط قد يؤدي إلى تحولات في بنية النظام الإيراني، مما يمنح دول الخليج موقعاً أقوى في صياغة مستقبل المنطقة.
وفيما يخص البرنامج النووي الإيراني، ألمحت تصريحات ترمب الأخيرة إلى إمكانية تقديم طهران لتنازلات جوهرية في هذا الملف مقابل إنهاء الحرب. ومع ذلك، لا تزال الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي تستهدف مناطق في الكويت تثير القلق بشأن استمرار التهديدات الإقليمية رغم الحديث عن التفاوض.
وأكد آل عاتي أن القدرات الدفاعية الخليجية والشراكات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وبريطانيا تشكل عنصر ردع حاسم في مواجهة التهديدات. واعتبر أن وجود القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة يمثل صمام أمان وحماية للأمن الوطني للدول الخليجية في ظل حالة عدم الاستقرار الراهنة.
وختاماً، يرى الخبراء أن العلاقة بين الرياض وطهران لا تزال تفتقر إلى الثقة العميقة، حيث كانت الوساطة الصينية السابقة مجرد أداة لإدارة الخلافات. إن إعادة بناء الثقة تتطلب وقتاً طويلاً وضمانات دولية قوية تضمن التزام كافة الأطراف بالاتفاقيات المستقبلية ومنع العودة إلى مربع التصعيد.





شارك برأيك
تحذيرات خليجية تدفع ترمب للتراجع عن التصعيد العسكري ضد إيران