كشفت تقارير صحفية دولية عن فجوة واسعة بين الخطاب السياسي الأوروبي المعلن والواقع العملياتي على الأرض فيما يخص الحرب الأمريكية ضد إيران. فبينما تظهر العواصم الأوروبية تردداً في الانخراط المباشر، تفتح في الخفاء قواعدها العسكرية أمام المقاتلات والقاذفات الأمريكية لإعادة التزود بالوقود والانطلاق لتنفيذ ضربات دقيقة.
وأكدت مصادر مطلعة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي انتقد الحلفاء الأوروبيين علناً ووصفهم بـ 'الجبناء'، يعتمد بشكل أساسي على بنيتهم التحتية العسكرية. وتلعب هذه القواعد دوراً محورياً في تسهيل واحدة من أكثر العمليات اللوجستية تعقيداً التي خاضها الجيش الأمريكي منذ عقود، بعيداً عن أعين الناخبين الأوروبيين.
وتعد قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا القلب النابض لهذه العمليات، حيث تُدار من خلالها طائرات الهجوم المسيرة وتنسق الضربات بعيدة المدى. ورغم تأكيدات المسؤولين الألمان بأن بلادهم ليست طرفاً في الحرب، إلا أن الاتفاقيات القانونية القديمة تمنح واشنطن سيطرة كاملة على إدارة العمليات من داخل الأراضي الألمانية.
في بريطانيا، رصدت صور قاذفات القنابل الثقيلة من طراز 'بي-1' وهي تُحمل بالذخائر والوقود في قاعدة فيرفورد التابعة لسلاح الجو الملكي. ورغم الممانعة الأولية التي أبداها رئيس الوزراء كير ستارمر، إلا أنه سمح لاحقاً بمهام قصف وصفها بـ 'الدفاعية' لاستهداف منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية.
وعلى صعيد القوة البحرية، ترسو حاملة الطائرات العملاقة 'يو إس إس جيرالد آر فورد' في قاعدة بحرية بجزيرة كريت اليونانية لإجراء إصلاحات طارئة. وتعتبر هذه القاعدة، إلى جانب خليج سودا، نقاط ارتكاز حيوية في البحر المتوسط لإطلاق طائرات التجسس التي تجمع معلومات استخباراتية إلكترونية فوق الأجواء الإيرانية.
وتشير المعطيات العسكرية إلى وجود نحو 80 ألف جندي أمريكي موزعين على 40 قاعدة في القارة الأوروبية، مما يجعلها نقطة انطلاق مثالية للعمليات في الشرق الأوسط. ويرى قادة عسكريون في الناتو أن هذه الشبكة تتيح للولايات المتحدة بسط نفوذها بتكلفة أقل وسرعة استجابة لا تتوفر من داخل الأراضي الأمريكية.
وفي سياق متصل، حاولت دول مثل فرنسا وإيطاليا تبرير دورها بوصفه 'لوجستياً بحتاً' لا يتضمن المشاركة في القصف المباشر. وصرحت وزيرة الدفاع الفرنسية بأن طائرات التزود بالوقود المتمركزة في قاعدة 'إيستر-لو توبيه' تعمل كـ 'محطات وقود طائرة' وليست كأدوات قتالية، في محاولة لتخفيف الضغط السياسي الداخلي.
المسافات أقصر والتكلفة أقل ومن الأسهل بكثير بسط النفوذ من خلال شبكة قواعدنا وحلفائنا في أوروبا.
بالمقابل، برزت إسبانيا كاستثناء وحيد في القارة، حيث رفضت منح الإذن للولايات المتحدة باستخدام القواعد المشتركة لمهاجمة إيران. هذا الموقف دفع القيادة الأمريكية لنقل بعض أصولها الجوية إلى قواعد في فرنسا وألمانيا لضمان استمرارية العمليات العسكرية دون عوائق سياسية.
وتأتي هذه التطورات في وقت يصر فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على فلسفة القوة المطلقة، معتبراً أن النجاح يتطلب تبني استراتيجيات حازمة. ويتزامن ذلك مع ضغوط واشنطن على طهران لتسليم كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية تحت رقابة مشددة.
وعلى الجانب الإيراني، يدير محمد باقر قاليباف ملف العلاقات مع واشنطن في ظل تصعيد ميداني مستمر، حيث تهدف الهجمات الحالية وفق تقديرات استخباراتية إلى إضعاف النظام وتقليص نفوذه الإقليمي. وقد منح ترامب مهلة تكتيكية قصيرة بوقف الهجمات على محطات الطاقة قبل استئناف الضغوط العسكرية.
وفي غزة، لا يزال المشهد مأساوياً حيث تحولت الأحياء إلى ركام، بينما تنشغل القوى الكبرى بصراعها الإقليمي مع إيران. ورغم سقوط شظايا الصواريخ التي أودت بحياة مدنيين في القطاع، تصر النساء الفلسطينيات على البقاء ورفض التهجير القسري رغم الجوع وفقدان المعيل.
ويرى محللون عسكريون أن عملية 'الغضب الملحمي' الأمريكية كشفت عن الثمن الباهظ الذي قد تدفعه واشنطن في حال قررت الانسحاب العسكري من أوروبا. فالاتفاقيات الثنائية المبرمة منذ الحرب الباردة تظل الضمانة الوحيدة لنشر التكنولوجيا والذخائر الأمريكية بسرعة فائقة في مواجهة التهديدات الناشئة.
وتستمر القواعد في البرتغال ورومانيا في تقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي، حيث استضافت قاعدة 'لاجيس' البرتغالية عشرات الطائرات الأمريكية مؤخراً. هذه التحركات تؤكد أن أوروبا، رغم تصريحات قادتها الحذرة، تظل حجر الزاوية في استراتيجية الهيمنة العسكرية الأمريكية العالمية.
ختاماً، يظهر التقرير أن المصالح الأمنية المتبادلة بين ضفتي الأطلسي تتفوق على الخلافات السياسية العابرة. فبينما يخشى القادة الأوروبيون من غضب الناخبين وارتفاع تكاليف الطاقة، يجدون أنفسهم مضطرين للحفاظ على التحالف مع واشنطن باعتبارها الركيزة الأساسية لأمنهم القومي في مواجهة التحولات الجيوسياسية.





شارك برأيك
خلف الستار: كيف تدعم القواعد الأوروبية سراً الضربات الأمريكية ضد إيران؟