تتصاعد التساؤلات داخل المؤسسة الأمنية والبحثية الإسرائيلية حول طبيعة الموقف الذي يتخذه الحوثيون في اليمن تجاه المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل. ويرى مراقبون أن حالة ضبط النفس التي يبديها الحوثيون تثير الدهشة، خاصة في ظل الضغوط التي يمارسها النظام الإيراني على حلفائه الإقليميين للانخراط في معركة الدفاع عن بقائه.
أشار أور هوروفيتس، الباحث في معهد سياسات الشعب اليهودي والمسؤول السابق في جهاز الاستخبارات العسكرية، إلى أن الموقف الحوثي المعلن يتسم بالجاهزية العسكرية، لكنه لم يترجم حتى الآن إلى سلوك ميداني يتناسب مع حجم التهديدات التي تواجهها طهران. واعتبر هوروفيتس أن هذا الامتناع يطرح علامات استفهام حول مدى التزام الجماعة بالدفاع عن النظام الإيراني في لحظاته الحاسمة.
وتشير تقديرات مصادر مطلعة إلى أن إيران شنت خلال الأسابيع الثلاثة الماضية حملة واسعة تهدف إلى استنزاف القدرات الإسرائيلية والأمريكية على حد سواء. وتضمنت هذه الحملة محاولات لتحريك كافة الأذرع في المنطقة لمهاجمة البنى التحتية والضغط على الدول الحليفة لواشنطن، إلا أن الاستجابة الحوثية ظلت دون التوقعات الإيرانية.
وفي الوقت الذي استجاب فيه حزب الله في لبنان للدعوات الإيرانية بشكل مباشر، يبدو أن الحوثيين فضلوا التريث رغم شعاراتهم المعادية لإسرائيل والولايات المتحدة. هذا التباين في المواقف دفع كبار المفكرين والمحللين في تل أبيب وواشنطن إلى البحث عن إجابات قاطعة حول أسباب هذا الإحجام المفاجئ عن التصعيد.
أحد الاحتمالات التي تدرسها الاستخبارات الإسرائيلية هو تعرض الحوثيين لحالة من الإجهاد العسكري نتيجة الضربات الجوية التي استهدفت بناهم التحتية في الفترات السابقة. ويرى المحللون أن الجماعة قد تكون فقدت جزءاً مهماً من قدراتها العملياتية، مما جعلها تفضل الحفاظ على ما تبقى من قوتها بدلاً من استنزافها في معركة قد لا تخدم مصالحها المباشرة.
علاوة على ذلك، يسود اعتقاد في بعض الأوساط الإسرائيلية بأن الحوثيين يسعون لتكريس نوع من الاستقلالية عن الإملاءات الإيرانية المباشرة. فرغم التعاون الاستراتيجي الوثيق، إلا أن الجماعة لا ترى نفسها مجرد تابع عسكري أو ديني، بل تطمح للعب دور قيادي مركزي في المنطقة يتجاوز حدود التبعية المطلقة لطهران.
ويرى هوروفيتس أن قرار عدم الاندماج الكامل في الحرب الحالية قد يعكس رؤية واقعية لدى الحوثيين بأن ضعف إيران بات أمراً محتملاً، مما يستوجب عليهم الحفاظ على سلطتهم المحلية. هذه الرؤية تهدف إلى ضمان بقائهم كقوة مهيمنة في اليمن والمنطقة، وتجنب الانجرار إلى صراع قد يؤدي إلى تقويض مكتسباتهم السياسية والعسكرية.
عدم التزام الحوثيين بالمشاركة في حملة النظام الإيراني الوجودية يشكل موقفاً علنياً مثيراً للاهتمام.
كما يبرز احتمال آخر يتعلق برغبة الحوثيين في تركيز جهودهم على ما يصفونه بالدفاع عن فلسطين، وهو الملف الذي يمنحهم شرعية إقليمية واسعة. فالتدخل المباشر في صراع إيراني-إسرائيلي قد يشتت انتباههم عن قضيتهم المركزية التي ربطوا بها مصيرهم منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، وهو ما يفسر حذرهم الحالي.
من جانب آخر، تبدي الاستخبارات الإسرائيلية قلقاً من أن يكون هذا الهدوء مجرد 'هدوء ما قبل العاصفة'، حيث يخشى المسؤولون من تحضير الحوثيين لعملية مفاجئة. وتتزايد المخاوف من إمكانية شن هجوم واسع النطاق باستخدام أسراب من الطائرات المسيّرة أو الصواريخ البالستية المتطورة التي لم تُستخدم بعد.
ولا تستبعد التقارير الأمنية سيناريوهات أكثر خطورة، مثل محاولات تنفيذ غارات برية أو بحرية تستهدف مناطق حساسة، رغم العوائق الجغرافية والعملياتية الكبيرة. وتستند هذه المخاوف إلى تصريحات قيادات حوثية أكدت استعداد مئات الآلاف من المقاتلين للتوجه نحو الأراضي الفلسطينية للمشاركة في المواجهة.
وتشير مصادر إلى أن الجيش الإسرائيلي استخلص دروساً قاسية من أحداث السابع من أكتوبر، وهو ما يدفعه الآن لأخذ كافة التهديدات الحوثية على محمل الجد. ويتم حالياً تكثيف الجهود الاستخباراتية لمراقبة التحركات في اليمن ومنطقة البحر الأحمر لإحباط أي محاولات تسلل أو هجمات غير تقليدية.
إن الاستعدادات الإسرائيلية الحالية تهدف إلى ضمان عدم تكرار أي إخفاق أمني، حيث يتم تعزيز الدفاعات الجوية والقدرات الهجومية للتعامل مع أي تصعيد يمني محتمل. ويؤكد الخبراء أن أي مغامرة حوثية قادمة ستواجه برد فعل عسكري مختلف تماماً عما شهدته الجبهات الأخرى في بدايات الصراع.
في نهاية المطاف، يبقى الموقف الحوثي لغزاً يحاول صناع القرار في إسرائيل فك شفراته، بين فرضيات الردع الناجح وتكتيكات الانتظار الاستراتيجي. وسواء كان السبب هو الرغبة في الاستقلال أو الخوف من الثمن الباهظ، فإن الأيام القادمة ستكشف مدى قدرة إيران على تحريك كافة أوراقها في المنطقة.
ويبقى الترقب سيد الموقف في الدوائر الأمنية، حيث تظل الجبهة اليمنية مرشحة للانفجار في أي لحظة إذا ما رأت قيادة الحوثيين أن مصالحها تقتضي التدخل المباشر. وتستمر المصادر الإسرائيلية في مراقبة الخطاب الحوثي وتحليل التحركات الميدانية لضمان الجاهزية القصوى لأي سيناريو تصعيدي قادم من الجنوب.





شارك برأيك
تساؤلات في الأوساط الإسرائيلية حول موقف الحوثيين من التصعيد الإقليمي