كشفت تقارير صحفية دولية عن مراجعات يجريها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوتيرة العمليات العسكرية ضد إيران، فيما وصف بأنه محاولة لـ 'تخفيض التصعيد' بعد تعثر أهداف 'الغزوة السريعة'. وأشارت المصادر إلى أن ترامب، الذي بدا عازماً على الانسحاب التدريجي خلال توجهه إلى فلوريدا، لا يزال يعاني من حالة عدم حسم تجاه إنهاء العملية العسكرية التي لم تحقق أهدافها الاستراتيجية الكبرى حتى الآن.
وتتصاعد الضغوط الداخلية على الإدارة الأمريكية مع وصول متوسط أسعار البنزين في المحطات المحلية إلى نحو 4 دولارات للغالون، وهو ما يثير قلق القاعدة الانتخابية الجمهورية. كما تأثرت البنية التحتية في منطقة الخليج بشكل ملحوظ جراء الغارات المتبادلة، في حين لم تظهر على النظام الإيراني أي علامات للتفكك أو التراجع عن السلطة رغم الضربات القاسية التي تلقاها.
وتتسم رسائل البيت الأبيض بالتناقض الواضح، حيث يرى منتقدون أن ترامب دخل الصراع دون استراتيجية خروج واضحة، بينما يصف أنصاره هذا التذبذب بأنه 'غموض استراتيجي'. وفي الوقت الذي يرسل فيه تعزيزات من قوات المارينز إلى المنطقة، يخرج بتصريحات تؤكد تدمير القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية، تتبعها منشورات تشير إلى القرب من تحقيق الأهداف وإنهاء الجهود العسكرية.
ولوحظ في الخطاب الأخير لترامب تراجعاً عن بعض الأهداف المعلنة سابقاً، حيث أغفل الحديث عن هزيمة الحرس الثوري الإيراني الذي لا يزال يمسك بزمام الأمور. كما غابت الرسائل الموجهة للشعب الإيراني التي كانت تحثهم على تولي السلطة، مما يشير إلى إعادة تقييم للواقع الميداني الذي أثبت صلابة الهيكل الأمني الإيراني رغم غياب الظهور العلني للمرشد الجديد مجتبى خامنئي.
وفيما يخص الملف النووي، اقترح ترامب هدفاً جديداً يركز على منع إيران من الاقتراب من القدرة النووية بدلاً من المطالبة السابقة بشحن كافة المواد المخصبة خارج البلاد. ويعكس هذا التوجه قبولاً بالوضع القائم الذي نتج عن تدمير المواقع النووية الرئيسية في يونيو الماضي، والتي لا تزال تحت مراقبة دقيقة من الأقمار الاصطناعية الأمريكية لضمان عدم استئناف النشاط.
وطالب ترامب حلفاء الولايات المتحدة بتحمل مسؤولية حماية ومراقبة مضيق هرمز، مشيراً إلى أن واشنطن لم تعد تعتمد عليه بشكل مباشر في إمداداتها. وقد وصف ريتشارد هاس، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي، هذا التوجه بـ 'عقيدة ترامب الجديدة' التي تقوم على تدمير الخصوم ثم إلقاء مسؤولية إدارة التبعات على عاتق الحلفاء الإقليميين والدوليين.
وشهدت عطلة نهاية الأسبوع تصعيداً في التهديدات، حيث لوح ترامب باستهداف محطات الطاقة الإيرانية، وعلى رأسها محطة بوشهر النووية، إذا لم يتم فتح مضيق هرمز بالكامل. ويعد هذا التهديد خرقاً للأعراف الدولية التي تعتبر المنشآت النووية مناطق محظورة في النزاعات المسلحة لتجنب الكوارث البيئية، مما يعكس حجم الإحباط من استمرار إغلاق الممرات المائية.
اعتبروا هذا بمثابة عقيدة ترامب الجديدة للشرق الأوسط: لقد دمرناه، لكنكم تتحملون المسؤولية.
وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن ترامب كان يتوقع استسلاماً إيرانياً غير مشروط خلال الأسبوع الأول من الحرب، وهو ما لم يحدث رغم الضغوط العسكرية الهائلة. ووصف مسؤولون أوروبيون هذه التوقعات بأنها كانت تفتقر لفهم طبيعة مراكز القوى في إيران وتاريخها القومي، مؤكدين أن رفض طهران للاستسلام شكل صدمة لصناع القرار في واشنطن.
وتمثلت المفاجأة الكبرى للإدارة الأمريكية في أزمة أسواق الطاقة العالمية، التي وصفتها وكالة الطاقة الدولية بأنها الأكبر في التاريخ من حيث اضطراب الإمدادات. وأدى هذا الارتباك إلى سحب كميات من الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي الذي يعاني أصلاً من نقص في مخزونه، مما دفع وزارة الخزانة لإصدار تراخيص استثنائية لتسليم شحنات نفطية عالقة في البحر.
وعلى الصعيد المالي، حذرت مؤسسات دولية مثل 'غولدمان ساكس' من بقاء أسعار النفط مرتفعة حتى عام 2027 إذا استمر التوتر في مضيق هرمز. وتدرك طهران أن فوضى الأسواق هي سلاحها الأكثر فاعلية، حيث هددت بإشعال منشآت طاقة أخرى في المنطقة، مستندة إلى ترسانة من الألغام البحرية والزوارق السريعة التي لا تزال تشكل تهديداً للملاحة.
ووجد ترامب نفسه في حاجة ماسة لحلفاء دوليين لتسيير دوريات طويلة الأمد في المنطقة، وهو أمر لم يخطط له في بداية الصراع لاعتقاده بأن الحرب ستكون خاطفة. وتبين أن مهمة تأمين نقاط التفتيش والممرات المائية قد تستغرق سنوات، مما يتطلب جهداً جماعياً تفتقر إليه واشنطن حالياً بسبب سياساتها الانفرادية في بدء النزاع.
كما خابت التوقعات الأمريكية بشأن حدوث انشقاقات واسعة في صفوف الحرس الثوري أو انتفاضة شعبية كبرى تطيح بالنظام من الداخل. ورغم تأكيدات بعض المسؤولين في البيت الأبيض على وجود تصدعات، إلا أن تقارير الاستخبارات الأمريكية والأوروبية لم تجد أدلة ملموسة على انهيار وشيك في بنية السلطة الإيرانية رغم تصفية قيادات عليا.
ويرى محللون أن نجاحات ترامب السابقة في عمليات خاطفة ضد مواقع نووية أو في فنزويلا أعطته انطباعاً زائفاً بإمكانية تكرار السيناريو مع دولة بحجم إيران. ويبدو أن الرهان على القوة العسكرية المطلقة للجيش الأمريكي لم يأخذ في الحسبان تعقيدات الجغرافيا والديموغرافيا الإيرانية، مما حول 'الرحلة القصيرة' إلى استنزاف طويل الأمد.
وفي الختام، يواجه ترامب معضلة حقيقية بين رغبته في إنهاء الحرب قبل الانتخابات وبين واقع ميداني يفرض عليه البقاء أو الاعتراف بالفشل في تحقيق الأهداف الكبرى. ومع استمرار الغموض حول مصير القيادة الإيرانية الجديدة، تظل المنطقة مفتوحة على كافة الاحتمالات في ظل غياب أي أفق حقيقي لوقف إطلاق النار أو تسوية سياسية شاملة.





شارك برأيك
تخبط في استراتيجية واشنطن: لماذا تعثرت 'غزوة' ترامب السريعة ضد إيران؟