عربي ودولي

الأربعاء 04 مارس 2026 12:12 مساءً - بتوقيت القدس

ترمب يلوّح بتسليح الداخل الإيراني: تصعيد عدواني يفتح أبواب الفوضى

واشنطن – سعيد عريقات – 4/3/2026

تحليل إخباري

في اليوم الرابع للحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب منفتح على دعم جماعات إيرانية مستعدة لحمل السلاح بهدف إسقاط النظام. هذا الطرح، إن تُرجم إلى أفعال، لا يمثل مجرد خيار تكتيكي، بل تصعيداً خطيراً ينقل المواجهة من صراع بين دول إلى محاولة إشعال صراع داخلي داخل دولة ذات سيادة.

وبحسب التقرير، أجرى ترمب محادثات مع قيادات كردية وشخصيات محلية أخرى، في إطار بحث خيارات قد تشمل منح غطاء سياسي أو تقديم دعم لوجستي واستخباري وربما عسكري. لكن مجرد تداول هذه السيناريوهات يعكس تحولاً مقلقاً في العقيدة الأميركية: من سياسة ضغط خارجي — عقوبات وعزل دبلوماسي — إلى استراتيجية تقويض من الداخل.

هذا التوجه يعيد إلى الأذهان نماذج تدخل سابقة رفعت شعارات "التحرير" و"الدعم الديمقراطي"، لكنها خلّفت دولاً ممزقة وصراعات ممتدة. فدعم جماعات مسلحة داخل إيران لن يُقرأ في طهران كأداة ضغط تفاوضي، بل كعمل عدائي مباشر يستهدف بنية الدولة نفسها. وهو ما يمنح القيادة الإيرانية ذريعة لتعزيز خطاب "المعركة الوجودية" وتوسيع نطاق الرد عبر أدواتها الإقليمية.

الخطورة لا تكمن فقط في البعد القانوني — إذ يشكّل دعم فصائل مسلحة انتهاكاً واضحاً لمبدأ سيادة الدول — بل أيضاً في الحسابات الإستراتيجية قصيرة النظر. فالتركيبة الإيرانية المعقدة قومياً وسياسياً تجعل الرهان على فصيل بعينه مقامرة محفوفة باحتمال تفكيك المجتمع بدلاً من إنتاج بديل مستقر. التجارب التاريخية تؤكد أن الحلفاء المؤقتين غالباً ما ينقلبون إلى قوى مستقلة بأجندات متباينة، وأن الفوضى الناتجة قد تتجاوز قدرة الداعمين على الضبط.

وفي مؤتمر صحفي مشترك مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض، سُئل ترمب عن رضا بهلوي، نجل شاه إيران الأخير، فأجاب بأن "بعض الناس يحبونه"، لكنه أشار إلى أن الإدارة لم تفكر فيه كثيراً، مفضلاً الإيحاء بوجود "شخص من الداخل" يحظى بشعبية حالية. هذا التصريح يشي بأن واشنطن لا تبحث عن مجرد رمز معارض، بل عن أداة ميدانية قادرة على ترجمة الدعم الخارجي إلى وقائع داخلية.

السؤال الجوهري هنا ليس إن كان هذا الطرح ورقة ضغط أم تحولاً استراتيجياً، بل ما إذا كانت واشنطن تدرك تبعاته بعيدة المدى. فحين تنتقل السياسة من محاولة تغيير سلوك دولة إلى السعي لتغيير نظامها عبر تسليح أطراف داخلية، فإن قواعد الاشتباك تتبدل جذرياً. يصبح الصراع مفتوحاً، غير قابل للاحتواء بسهولة، وقابلاً للتمدّد خارج الحدود.

قد ترى الإدارة الأميركية في هذا الخيار وسيلة لتسريع إضعاف خصمها، لكنها بذلك تخاطر بإشعال تناقضات داخلية قد تنفجر في وجه الجميع. بين الردع والتقويض مساحة رمادية شديدة الخطورة، وأي انزلاق فيها قد لا يعيد تشكيل إيران وحدها، بل يزعزع توازن الإقليم بأسره.

إن التفكير في تسليح الداخل الإيراني يكشف عن نهج يتجاوز حدود "الضغط" إلى مقامرة إستراتيجية قد تدفع المنطقة إلى دورة جديدة من عدم الاستقرار. وفي عالم أنهكته الحروب بالوكالة، يبدو أن واشنطن تقترب من إعادة إنتاج الوصفة ذاتها، ولو بثوب مختلف.

ولعل أخطر ما في الطرح الأميركي لا يكمن فقط في دعمه المحتمل لفصائل مسلحة، بل في منطق "الهندسة السياسية" الذي يفترض إمكانية إعادة تشكيل توازنات دولة معقدة من الخارج. هذا التفكير يتجاهل أن أي دعم عسكري لجماعات داخلية سيُضعف التيارات المدنية ويعزز منطق العسكرة في المجال العام الإيراني. كما أنه يمنح السلطة في طهران فرصة ذهبية لإعادة تعبئة الشارع حول خطاب السيادة والمقاومة. وبدلاً من تفكيك النظام، قد يؤدي التدخل إلى إعادة إنتاجه بصورة أكثر تشدداً وانغلاقاً، مع تقليص هوامش الإصلاح الداخلي.

كما أن الرهان على تفجير التناقضات الداخلية كأداة حرب يحمل في طياته تناقضاً استراتيجياً عميقاً. فالولايات المتحدة تسعى ظاهرياً إلى إضعاف خصمها، لكنها قد تدفعه نحو تبني خيارات أكثر راديكالية، سواء في تسريع برامجه الدفاعية أو في توسيع حضوره الإقليمي عبر وكلائه. كذلك، فإن أي انزلاق إلى صراع داخلي مفتوح داخل إيران سيخلق فراغات أمنية قد تستقطب قوى عابرة للحدود، ما يعيد إنتاج دوامات عدم الاستقرار في المنطقة. بهذا المعنى، يصبح "الانتصار" التكتيكي الذي تدعيه إدارة ترمب مدخلاً إلى خسارة إستراتيجية بعيدة المدى.

دلالات

شارك برأيك

ترمب يلوّح بتسليح الداخل الإيراني: تصعيد عدواني يفتح أبواب الفوضى

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.