تحليل

الأحد 15 فبراير 2026 6:11 مساءً - بتوقيت القدس

بين التاريخ والسياسة.. قراءة في تعقيدات المشهد الإيراني الأمريكي

تتجاوز العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران الذرائع المعلنة التي طفت على السطح خلال الأسابيع الماضية، حيث يظهر تضارب واضح في سياق الأحداث. فمن الاعتراض على التعامل مع الاحتجاجات الداخلية إلى العودة المفاجئة لطاولة المفاوضات، وصولاً إلى التحركات العسكرية المتمثلة في إرسال حاملة الطائرات 'جيرالد فورد'، يبدو المشهد غير مترابط ومثيراً للتساؤلات حول الأهداف الحقيقية.

يرتبط الاهتمام العربي بإيران بجذور تاريخية عميقة، كان أبرز روادها الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل الذي أولى طهران اهتماماً مبكراً منذ أزمة تأميم البترول في الخمسينيات. وقد وثق هيكل رؤيته في كتابه الأول 'إيران فوق بركان' عام 1951، حيث عاصر الأحداث من قلب العاصمة الإيرانية وقابل مختلف الأطراف الفاعلة في ذلك الوقت.

استمر هذا الاهتمام التاريخي حتى الثورة الإيرانية عام 1979، حيث التقى هيكل بالإمام الخميني في باريس قبل عودته المظفرة إلى طهران. ويشير هذا الترابط إلى أن إيران كانت دائماً في صلب اهتمامات الدوائر السياسية والصحفية المقربة من مراكز صنع القرار في المنطقة العربية، خاصة في مصر.

بالتوازي مع جهود هيكل، برزت إسهامات الصحفي فهمي هويدي الذي قدم قراءة أيديولوجية وفكرية معمقة للداخل الإيراني. ويلاحظ المتابعون تشابهاً كبيراً في المعلومات الفقهية والفكرية بين كتابات هويدي وهيكل، مما يعكس حجم الجهد الصحفي المبذول لفهم طبيعة النظام الناشئ في طهران وتوجهاته العقائدية.

فيما يخص الملف النووي، يرى مراقبون أن القنبلة الذرية لم تعد سلاحاً عسكرياً تقليدياً منذ استخدامها في هيروشيما عام 1945، بل تحولت إلى أداة سياسية لفرض الهيمنة الدولية. ويظهر هذا بوضوح في توازن القوى بين الهند وباكستان، حيث يعمل السلاح النووي كعامل ردع سياسي أكثر منه وسيلة للاشتباك المباشر.

إن التطور النوعي في الأسلحة التقليدية والصاروخية قلص من الميزة التفوقية للأسلحة النووية في الحروب الحديثة. وقد أثبتت المواجهات الأخيرة قدرة الصواريخ التقليدية على تحقيق أهداف استراتيجية وتجاوز المنظومات الدفاعية المتطورة، مما يجعل التركيز على 'البعبع النووي' مجرد غطاء لمفاوضات ذات أبعاد أخرى.

تطرح التساؤلات حول ما إذا كانت الاستراتيجية الأمريكية تهدف إلى إعادة إيران لـ 'الحزام الأمريكي' لمواجهة النفوذ الصيني والروسي المتنامي في آسيا. ومع ذلك، تبدو هذه الفرضية بعيدة المنال نظراً لتعقيد الروابط الاقتصادية والعسكرية التي نسجتها طهران مع القوى الشرقية خلال العقود الماضية.

فيما يتعلق بالصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، يرى التحليل أن طهران تربط عداءها لتل أبيب بموقفها العام من السياسات الأمريكية في المنطقة. ورغم القدرات العسكرية المتاحة، إلا أن التدخل المباشر يظل محكوماً بحسابات دقيقة تتعلق بالمصالح القومية الإيرانية وتجنب المواجهات الوجودية الشاملة.

لقد شكلت عملية 'طوفان الأقصى' نقطة تحول تاريخية في الصراع، حيث كشفت عن هشاشة الجبهة الداخلية للاحتلال الإسرائيلي. ويرى محللون أن المشكلة الحقيقية التي تواجه الكيان الصهيوني ليست في التهديد الخارجي فحسب، بل في التفكك الداخلي الذي قد يؤدي إلى انهيار الدولة من الداخل.

تشير تقارير إلى أن إسرائيل طلبت من واشنطن تأجيل أي عمل عسكري ضد إيران لحين ترميم قدراتها الدفاعية وجبهتها الداخلية. هذا التردد يعكس إدراكاً عميقاً بأن أي مواجهة واسعة قد تفتح جبهات لا يمكن إغلاقها، مما يهدد بقاء المشروع الصهيوني في المنطقة بشكل جدي.

النظام السياسي في إيران يمتلك قوة ردع داخلية مستمدة من تركيبته الأيديولوجية والعرقية، وهو ما يجعله عصياً على السقوط عبر الضغوط الخارجية أو الضربات المحدودة. فالتاريخ يثبت أن التهديدات الخارجية غالباً ما تؤدي إلى تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية خلف قيادتها السياسية.

يبقى التساؤل قائماً حول طبيعة 'الشيء المطلوب' من إيران في هذه المرحلة الحساسة من المفاوضات. فالهياج الإعلامي والتحشيد العسكري الأمريكي قد يكون وسيلة للضغط لتحقيق مكاسب محددة في ملفات إقليمية، بعيداً عن الشعارات المعلنة حول السلاح النووي أو حقوق الإنسان.

إن استشراف مستقبل المنطقة بعد التحولات الكبرى يشير إلى أن الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية تمر بمرحلة تراجع استراتيجي. وما نراه اليوم من 'مسرحة' للقوة العسكرية قد لا يكون سوى محاولة لتأخير استحقاقات تاريخية بدأت تفرض نفسها على أرض الواقع منذ أحداث أكتوبر.

في الختام، تظل العلاقة بين واشنطن وطهران لغزاً سياسياً محكوماً بالتاريخ والجغرافيا والمصالح المتضاربة. وبينما تستمر المفاوضات تحت ظلال التهديد، يبقى اليقين الوحيد هو أن المنطقة تتشكل من جديد بعيداً عن القواعد القديمة التي سادت لسنوات طويلة.

دلالات

شارك برأيك

بين التاريخ والسياسة.. قراءة في تعقيدات المشهد الإيراني الأمريكي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.