يعد كتاب 'دور المثقف في التحولات التاريخية' الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مرجعاً أساسياً في تشريح علاقة النخبة المفكرة بالواقع العربي المتغير. يجمع الكتاب بين دفتيه اثنتين وعشرين مساهمة بحثية، تسعى في مجملها إلى استكشاف الوظائف الحيوية للمثقف في أوقات الأزمات الكبرى وإعادة تشكل الفضاء العام.
ينطلق العمل من فرضية أن المثقف ليس مجرد خبير تقني أو عالم دين تقليدي، بل هو فاعل قيمي يمتلك القدرة على التأثير في الوعي الجمعي. ويرى المفكر عزمي بشارة في مساهمته أن مفهوم المثقف المعاصر ارتبط تاريخياً بمسؤولية نقد السلطة، وهو ما تبلور بوضوح في تجارب 'الإنتليجنسيا' الروسية والفرنسية.
ويشدد بشارة على أن المجال العام في الدولة الحديثة هو فضاء سياسي بامتياز، مما يجعل أي موقف معرفي يتخذه المثقف فعلاً سياسياً واجتماعياً مؤثراً. لذا، تقع على عاتق المثقف مسؤولية تفكيك الواقع المعيش مع الحفاظ على استقلالية نقدية تمنع انزلاقه نحو التبعية العمياء للأيديولوجيا أو السلطة.
من جانبه، يتناول الباحث بنسالم حميش جدلية الهيمنة والمقاومة، مستعرضاً نماذج فكرية صلبة واجهت أنظمة الاستبداد والاستعمار. ويبرز حميش تجارب فرانز فانون وإدوارد سعيد كأمثلة للمثقف الكوني الذي يفكك خطابات الإمبريالية ويدافع عن سيادة الشعوب وحقوقها في الكرامة الإنسانية.
ويرى حميش أن واجب المثقفين يكمن في رصد الاختلالات البنيوية في النظام العالمي والمحلي ومناهضتها، مساهمةً في بناء ثقافة سلام حقيقية. إن هذا الدور يتطلب إرادة حرة قادرة على تأسيس هويات محررة تبدع قيماً إيجابية تنهض بالإنسان وتضمن له الحرية الكاملة.
وفي سياق الثورات العربية، يقدم حسن طارق قراءة ثقافية تتجاوز التفسيرات الاقتصادية الضيقة للانتفاضات الشعبية. ويقترح طارق ضرورة الانتقال من 'المثقف الهوياتي' المنكفئ على ذاته إلى 'المثقف الديمقراطي' الذي يستوعب قيم الحداثة الكونية ويدافع عن المواطنة.
ويعتبر طارق أن المعركة الكبرى في المرحلة الانتقالية هي معركة الإصلاح الثقافي والفكري، والتي تعد المدخل الجوهري لاستنبات الديمقراطية. إن هذا التحول يتطلب شجاعة في طرح أسئلة الحرية والعدالة بعيداً عن التجاذبات الأيديولوجية التي استهلكت الطاقات العربية لعقود طويلة.
يتحايث مفهوم المثقف مع الموقف المعياري في المجال العام بالضرورة، مستخدماً المكانة الناجمة عن العمل في المعرفة لاتخاذ موقف يؤثر في هذا المجال السياسي بامتياز.
أما عبد الوهاب الأفندي، فيركز على سمات المثقف الملتزم بقول الحقيقة، خاصة في السياق الإسلامي المعاصر الذي يواجه تحديات التحديث. ويرى الأفندي أن المثقف الإسلامي التنويري يلعب دوراً محورياً في تجسير الفجوة بين التراث الأصيل ومقتضيات الدولة المدنية الحديثة.
ويؤكد الأفندي أن نجاح التحول الديمقراطي مرهون ببروز 'مثقفين وسطاء' يرفضون الإقصاء المتبادل بين التيارات المتصارعة. هؤلاء المثقفون هم القادرون على صياغة رؤية توفق بين جوهر الدين المنفتح وضرورات التعددية السياسية والمواطنة في مجتمعاتنا المعاصرة.
وفي نقد لاذع للنخبة الحداثية، يشير النور حمد إلى أن إهمال البعد الروحي والديني أدى إلى عزلة المثقفين عن الجماهير الشعبية. هذه الفجوة خلقت فصاماً حاداً جعل المشاريع التنويرية تفتقد للحاضنة الشعبية، مما حولها إلى أفكار مغتربة عاجزة عن إحداث تغيير حقيقي.
ويوضح حمد أن هذا الفراغ القيمي استغلته حركات الإسلام السياسي التي خاطبت الجماهير بلغة مألوفة، رغم فشلها في تقديم حلول بنيوية لأزمات الدولة. لذا، يدعو حمد إلى ميلاد رؤية جديدة تعيد للمثقف دوره الرسالي عبر ردم الهوة مع الوجدان الشعبي وتبيئة المفاهيم الحديثة.
إن القاسم المشترك بين هذه الرؤى المختلفة هو الإقرار بأن المعرفة وحدها لا تصنع مثقفاً، بل لا بد من اقترانها بموقف أخلاقي شجاع. فالمثقف يظل فاعلاً تاريخياً يُقاس أثره بمدى قدرته على صياغة بدائل واقعية تلبي تطلعات الشعوب في الحرية والعدالة الاجتماعية.
يستنتج الكتاب في محصلته أن دور المثقف العربي لم ينتهِ، بل تضاعفت أهميته في ظل التحولات الكبرى التي تعصف بالمنطقة. إن القدرة على الموازنة بين الالتزام القومي والاستقلال النقدي هي الاختبار الحقيقي الذي يواجه النخبة في مسار بناء الوعي الجماعي.
ختاماً، يمثل هذا العمل الجماعي إسهاماً فكرياً رصيناً يعيد مساءلة حدود حضور المثقف في المجال العام. ويظل السؤال قائماً حول مدى قدرة هذه النخب على تحويل طروحاتها النظرية إلى قوة دفع اجتماعية تساهم في توجيه صيرورة التاريخ نحو مستقبل أكثر إشراقاً.





شارك برأيك
المثقف العربي وصناعة التاريخ: قراءة في أدوار النخبة وسط التحولات الكبرى