يرى مراقبون أن سقوط الأنظمة العسكرية لا يعني مجرد تغيير الوجوه، بل يتطلب تفكيك عقود من العقود الاجتماعية المزورة ومنظومات القيم التي تعرضت للتدمير الممنهج. إن التحدي الحقيقي الذي يواجه مصر في مرحلة ما بعد الحكم العسكري ليس مجرد ترميم المؤسسات القائمة، بل إعادة بناء الدولة من أساساتها التي نخرها الاستبداد على مدار سبعة عقود.
يقترح التصور السياسي الجديد تشكيل مجلس رئاسي انتقالي مدته خمس سنوات كاملة، يبتعد عن المحاصصة السياسية أو الأيديولوجية. هذا المجلس يجب أن يتكون من عقول تكنوقراطية متخصصة في مجالات الاقتصاد والقانون الدولي والأمن القومي، لضمان إدارة المرحلة بعيداً عن صراعات الصناديق المبكرة التي قد تؤدي إلى فوضى سياسية.
من أبرز شروط نجاح هذا المجلس هو الفصل الكامل بين إدارة المرحلة الانتقالية والتنافس على السلطة مستقبلاً. حيث يُحظر على أعضاء المجلس الترشح في أول انتخابات رئاسية أو برلمانية تلي الفترة الانتقالية، مما يحول الهيئة من أداة للهيمنة إلى مؤسسة وطنية مخلصة لمهمة البناء والتأسيس فقط.
تعتمد الرؤية المقترحة على مبدأ المصارحة مع الشعب، حيث يجب وضع فاتورة الإصلاح أمام المواطنين بكل شفافية. فالمنظومات التعليمية والصحية المنهارة لا يمكن نهضتها في موسم واحد، والصدق المؤلم مع الجماهير هو السبيل الوحيد لبناء ثقة حقيقية بين الدولة والمجتمع بعد عقود من التضليل الإعلامي.
تتوزع مهام السنوات الخمس بدقة، حيث تُخصص السنة الأولى لتفكيك البنى الإجرامية للنظام السابق مؤسسياً وأمنياً. بينما تركز السنتان الثانية والثالثة على تفعيل الحوكمة والشراكات الدولية، لتأتي السنة الرابعة بمهمة صياغة دستور وطني نتاج حوار مجتمعي شامل، وصولاً إلى الانتخابات في السنة الخامسة.
تعد إعادة هيكلة المنظومة الأمنية حجر الزاوية في أي إصلاح جاد، خاصة مع تضخم الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية. وتشير تقديرات إلى أن الجيش يسيطر على حصة تتراوح بين 25% و40% من الاقتصاد الوطني، وهو ما يتنافى مع أسس الدولة المدنية الحديثة التي تتطلب حصر دور الجيش في حماية الحدود.
على صعيد الأمن الداخلي، تبرز الحاجة لتغيير عقيدة الشرطة من أداة لقمع المواطنين إلى مؤسسة خدمية تحترم حقوق الإنسان. إن إنهاء حالة الإفلات من العقاب وإعادة الأجهزة الاستخباراتية إلى حجمها الطبيعي بعيداً عن مراقبة المثقفين والمعارضين هو الضمانة الوحيدة لعدم عودة الدولة البوليسية مرة أخرى.
الديمقراطية الفورية في مجتمع مُنهك مؤسسيا ليست ديمقراطية، بل هي فوضى بورقة اقتراع.
في الشأن الخارجي، يدعو التحليل إلى بناء تحالفات استراتيجية تتجاوز التبعية التقليدية، مع التركيز على الشراكة مع تركيا كقوة صناعية ودفاعية صاعدة. إن التعاون في مجال الصناعات الدفاعية مع أنقرة قد يفتح لمصر آفاقاً للاعتماد على الذات في التسليح وتغيير معادلات الردع في المنطقة.
كما تبرز الصين كشريك حتمي في مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي، نظراً لقدرتها على نقل المعرفة التقنية الفعلية. ويُشدد المقترح على أهمية تفعيل دور مصر في مجموعة 'بريكس' كرافعة استراتيجية للتحرر من هيمنة القطب الواحد وبناء بدائل مالية دولية جديدة.
يطرح المقال فكرة 'الحلف السني الثلاثي' الذي يضم مصر وتركيا وباكستان، ككتلة بشرية وعسكرية هائلة تتجاوز 450 مليون نسمة. هذا الحلف، الذي يضم قوة نووية وقوى صناعية، يمكنه رسم خارطة قوى جديدة في الشرق الأوسط ومواجهة التمدد الإقليمي والمشاريع التي تستهدف قيم المنطقة.
اقتصادياً، لا بد من استعادة الأصول والأراضي التي نُهبت من الدولة ومنحت لمحاسيب النظام السابق بأسعار رمزية. إن إعادة توزيع الثروة لا تعني المصادرة العشوائية، بل استرداد حقوق الشعب عبر قضاء مستقل وإجراءات شفافة تضمن عودة الملكية العامة إلى مسارها الصحيح.
يجب أن يتحول المواطن من متفرج إلى شريك في مشاريع البنية التحتية عبر صناديق سيادية شعبية وأدوات مالية مبتكرة. هذا النموذج ينهي فلسفة 'الولاء الرخيص' القائمة على المساعدات الإغاثية، ويستبدلها بنموذج تنموي يحفظ كرامة الإنسان ويحفزه على الإنتاج والرقابة على مقدرات الوطن.
الدستور الجديد في السنة الرابعة يجب أن يضع نصوصاً قاطعة تمنع تدخل الجيش في السياسة أو الاقتصاد المدني. كما يجب أن يضمن استقلال القضاء وحرية التعبير بشكل بنيوي لا يقبل التأويل الأمني، مع توزيع السلطات أفقياً لمنع تغول الرئاسة على البرلمان والحكومة.
في الختام، يؤكد المقال أن الأجيال الجديدة التي عانت من القمع والفقر لن تقبل بالعودة إلى الوراء أو إعادة إنتاج الاستبداد. إن نجاح التجربة المصرية في الانتقال نحو الدولة الوظيفية سيمثل نموذجاً ملهماً للمنطقة العربية، شريطة إدارتها بإرادة صلبة ونزاهة ترفض المساومة على حقوق الشعب.





شارك برأيك
خارطة طريق لمصر ما بعد الحكم العسكري: 5 سنوات لإعادة بناء الدولة وتفكيك منظومة الاستبداد